فلما علم الحق أن هذا العبد، بما كمله اللّٰه به من القوة الإلهية ب"الصورة الكمالية"، لا بد أن يدعى في نعوت ما هو حق لله، لطلب
"الصورة الكمالية"لذلك النعت، و هو من بعض النعوت الإلهية. فغار الحق من المشاركة في بعض نعوت الجلال، و شغل الإنسان بما أباح له من باقى النعوت الإلهية. فلما علم، أيضا، أنه لا يقف عند ذلك، و أنه لا بد أن يعطى "الصورة الكمالية"حقها في الاتصاف بالنعوت الإلهية، و أنها تتعدى ما حجر عليها، مثل"العظمة"و"الكبرياء"و"الجبروت"، -فقال: "الكبرياء ردائى و العظمة إزارى! من نازعنى واحدا منهما قصمته"و قال: كَذٰلِكَ يَطْبَعُ اَللّٰهُ عَلىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّٰارٍ -فهذا هو عين الغيرة: غار على هذه النعوت أن تكون لغير اللّٰه، فحجرها. و كذلك تحجرت (هذه النعوت) ، على الحقيقة، بقوله: كَذٰلِكَ يَطْبَعُ اَللّٰهُ عَلىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّٰارٍ -فلا يدخل مع هذا الطابع قلب كون من الأكوان تكبر على اللّٰه و لا جبروت، لأجل هذا الطبع.
(معنى الطابع الذي طبع اللّٰه على قلب المتكبر الجبار)
فعلم كل من أظهر من المخلوقين دعوى الألوهية، كفرعون و غيره، و تكبر و تجبر: (أن) كل ذلك (هو) في ظاهر الكون، و (أن) هذا الذي ظهرت منه صفة الكبرياء"مطبوع على قلبه"أن يدخل فيه الكبرياء على اللّٰه. فإنه يعلم، من نفسه، افتقاره و حاجته و قيام الآلام به، من ألم جوع و عطش و هواء، و مرض، التي لا تخلو هذه النشاة الحيوانية عنه في هذه الدار، و تعذر بعض الأغراض أن تنال مرادها، و تألمه لذلك. و من في هذه صفته من المحال أن يتكبر في نفسه على ربه. فهذا معنى "الطابع"الذي"طبع اللّٰه على قلب المتكبر"-الذي يظهر لكم من الدعوى، "الجبار"-(الذي) يجبركم على ما يريد، فمنكم المطيع و المخالف و لو هلك بمخالفته. و لهذا يرجى حكم السعادة في المال، و لو بعد حين. فان القلوب ما يدخلها كبرياء على اللّٰه، لكن يدخلها كبرياء بعضهم على بعض. -قال تعالى: لَخَلْقُ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ
اَلنّٰاسِ -و إذا علمت السماء أنها أكبر من خلق الناس كانت موصوفة بالكبرياء على الناس، و ذلك الكبرياء لا يقدح فيها. فهذا معنى الغيرة الإلهية. فلا رافع لما حجره. فلا يتكبر على اللّٰه، فيما بينه و بين اللّٰه، أحد من خلق اللّٰه. هذا محال وقوعه. و القدر الذي وقع عليه التحجير الظاهر، عليه وقع الذم لمن انتهكه، و أضافه إلى نفسه، و كذبوا على اللّٰه فيه.
الفتوحات
المكية للشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي
ترقيم الصفحات موافق لمخطوطة قونية (من 37 سفر) بخط الشيخ محي الدين ابن
العربي - العمل جار على إكمال هذه النسخة. (المقابل في الطبعة الميمنية)