تعطي في المركَّبات حقائقها لا غير، (أي) من غير امتزاجٍ؛ فالتَّسخين عن الحرارة لا يكون عن غيرها، وكذٰلك التَّجفيف والتقبُّض عن اليبوسة.
فإذا رأيت النَّار قد أيبست المحلَّ من الماء فلا تتخيَّل أنَّ الحرارة جفَّفته، فإنَّ النَّار مركَّبةٌ من حرارةٍ ويبوسةٍ كما تقدَّم؛ فبالحرارة الَّتي فيها تسخِّن الماء، وباليبوسة وقع التَّجفيف.
وكذٰلك التَّليين لا يكون إلاَّ عن الرُّطوبة، والتَّبريد عن البرودة. فالحرارة تسخِّن، والبرودة تبرِّد، والرُّطوبة تليِّن، واليبوسة تجفِّف؛ فهذه الأمَّهات متنافرةٌ لا تجتمع أبداً إلا في الصُّورة، ولكن على حسب ما تعطيه حقائقها.
ولا يوجد منها في صورةٍ أبداً واحدٌ، لكن يوجد اثنان، إمّا حرارةٌ ويبوسةٌ كما تقدَّم من تركيبها، وأمَّا أن توجد الحرارة وحدها فلا، لأنَّها لا يكون عنها على انفرادها إلاَّ هي (فقط).
وصل: (أقسام الحقائق)
فإن الحقائق على قسمين: حقائقٌ توجد مفرداتٌ في العقل؛ كالحياة والعلم والنُّطق والحسِّ، وحقائقٌ توجد بوجود التَّركيب؛ كالسَّماء والعالَم والإنسان والحجر. (وهناك أيضاً الحقائق الإلهيَّة يشير إليها الشَّيخ بعد قليل من غير تفصيل).
(سرُّ امتزاج العناصر)
فإن قلت: فما السَّبب الَّذي جمع هذه الأمَّهات المتنافرة حتى ظهر من امتزاجها ما ظهر؟ فهنا سرٌّ عجيبٌ ومركَّبٌ صعبٌ يحرم كشفه، لأنَّه لا يطاق حمله، لأنَّ العقل لا يعقله، ولكنَّ الكشف يشهده، فلنسكت عنه