فلو لم تظهر (الألف) في"باسم"السفينة، ما جرت السفينة، و لو لم تظهر (الألف) في"اقرأ باسم ربك""، ما علم المثل حقيقته، و لا رأى سورته.
فتيقظ من سنة الغفلة، و انتبه! فلما كثر استعمالها (أي الألف) في أوائل السور، حذفت لوجود المثل الذي قام مقامه في الخطاب، و هو الباء. فصار المثل (أي الباء) مرآة للسين، فصار السين مثالا. و على هذا الترتيب، نظام التركيب.
و إنما لم تظهر (الألف) بين السين و الميم، و هو (-و هما) محل التغيير و صفات الأفعال، (ل) أن(ه) لو ظهرت (الألف) لزال السين و الميم، إذ (هما) ليسا بصفة لازمة للقديم، مثل الباء، فكان خفاؤه (أي الألف) عنهم (-عنهما) رحمة بهم (-بهما) إذ كان سبب بقاء وجودهم (-وجودهما) : وَ مٰا كٰانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اَللّٰهُ إِلاّٰ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرٰاءِ حِجٰابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً -و هو (أي الألف) الرسول. -فهذه الباء و السين و الميم (هم) العالم كله.
(عمل الباء في الميم)
ثم عمل الباء في الميم الخفض، من طريق الشبه بالحدوث، إذ الميم (هي) مقام (عالم) الملك، و هو العبودية. و خفضتها الباء، (أي) عرفتها بنفسها و أوقفتها على حقيقتها. فمهما وجدت الباء وجدت الميم في مقام الإسلام. فان زالت الباء يوما ما، لسبب طارئ، و هو ترقى الميم إلى مقام الايمان، فتح في عالم الجبروت ب"سبح اسم ربك الأعلى"و أشباهه. فامر بتنزيه المحل لتجلى المثل، فقيل له: سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى -الذي هو مغذيك بالمواد الإلهية: فهو ربك. ففتح الميم. و جاءت الألف ظاهرة، و زالت الباء، لأن الأمر توجه عليها (أي على الميم) بالتسبيح، و لا طاقة لها على ذلك، و الباء محدثة مثلها (أي مثل الميم) ، و المحدث-من باب الحقائق-لا فعل له ، و لا بد لها (أي للميم) من امتثال الأمر، فلا بد من ظهور الألف الذي هو الفاعل القديم.
(ظهور الألف)
الفتوحات
المكية للشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي
ترقيم الصفحات موافق لمخطوطة قونية (من 37 سفر) بخط الشيخ محي الدين ابن
العربي - العمل جار على إكمال هذه النسخة. (المقابل في الطبعة الميمنية)