انتقل إلى النص
الفتوحات المكيةFUTMAK.COM

الفصل الثالث: التعريف بعلوم الشيخ محي الدين ابن العربي

طرق التلقي عند الشيخ محي الدين — الجزء 1

نسخة إلكترونية أُعدّت في 29 أكتوبر 2026بيانات الطبعة

طرق التلقي عند الشيخ محي الدين

ترجع مصادر العلوم عند الصوفية، في التصور الذي يعرضه الشيخ، إلى الله سبحانه وتعالى، وإن اختلفت طرق تلقيها على قدر صفاء واستعداد العارف، فمن كان من أهل الله وخاصته يتولى الله تعليمه ويلقي إليه العلوم والمعارف بما يناسبه. يؤكد الشيخ محي الدين أن جميع مؤلفاته إنما هي فتوح من الله تعالى، والعلوم الموجودة فيها هي من العلوم الوهبية الكشفية التي يتلقاها عن طريق الواردات الإلهية، وهذا التلقي هو "أخذك ما يرد من الحق عليك عند الترقي" (ج2: ص130)، ويقول: "الحمد لله الذي جعلني من أهل الإلقاء والتلقي" (ج1: ص58)، ثم يقول أنَّ كيفية الإلقاء موقوفة على الذوق وهو الحال (ج2: ص569)، ولكن لابدَّ أن يكون قلب المُلقى إليه مستعداً، مع أنَّ الاستعداد وحده لا يعطي التلقي بالضرورة، لأن المعرفة الإلهية ليست مكتسبة عن تعمُّل واجتهاد وإنما تحصل بإرادة الله ويعطيها سبحانه وتعالى لمن يشاء "فالسالك إذا وصل إلى الباب الذي يصل إليه كل سالك بالاكتساب، فآخر قدم في السلوك هو خاتمة السالكين، ثم يُفتح الباب وتخرج العطايا والمواهب الإلهية بحكم الاختصاص والعناية لا بحكم الاكتساب" (ج3: ص513). ويشترط في المتلقي أن يكون من أهل الصفاء الذي يُكتسب عن طريق المجاهدات والرياضات المعروفة عند الصوفية وهي التخلي عن كل ما هو مذموم بالشرع والتحلي بالفضائل والأخلاق الحميدة.

وعن طريق التلقي يقول الشيخ محي الدين أن "الحضرة الإنسانية كالحضرة الإلهية ... فالحق له تسعة أفلاك للإلقاء، والإنسان له تسعة أفلاك للتلقي؛ فتمتد من حقيقة التسعة الحقية رقائق إلى التسعة الخلقية ... فإذا أخذناها من جهة الحق قلنا أفلاك الإلقاء، وإذا أخذناها من جهة الإنسان قلنا أفلاك التلقي، وإذا أخذناها معا جعلنا تسعة الحق للإلقاء والأخرى للتلقي" (ج1: ص54).

لكنَّ مصادر الواردات كثيرة، فقد تكون إلهية أو ملكية أو نفسية أو شيطانية، والعصمة لا تكون إلا للرسل والأنبياء، فإذا كانت من قبل الحق سميت خطاباً، وإذا كانت من قبل الملك سميت إلهاماً، وإذا كانت من قبل القلب سميت هاتفاً، وإذا كانت من قبل النفس سميت هاجساً، وإذا كانت من قبل الشيطان سميت وسواساً" (؟؟؟). كذلك فقد تتنوع مصادر المعرفة بحسب الأحوال والمقامات؛ فمنها ما يحصل بالمبشرات، ومنها يحصل بالخواطر، ومنها يحصل بالإلهام، ومنها بالكشف، ومنها يحصل بالذوق، ومنها يحصل بالوراثة.

المبشرات

يمرُّ الإنسان خلال حياته اليومية بحالتين: حالة تسمّى النوم وحالة تسمّى اليقظة، وفي كلتا الحالتين قد جعل الله له إدراكاً خاصّاً يُدرك به الأشياء؛ فأمّا إدراكات اليقظة فتسمّى حسّاً مثل المبصَرات والمسموعات وغيرها، وأمّا إدراكات النوم فتسمّى حسّاً مشتركاً وهي تحدث في الخيال. فكل ما تبصره في اليقظة يسمّى رؤية وكلّ ما تبصره في النوم يسمّى رؤيا. وجميع ما يدركه الإنسان في النوم هو مما ضبطه الخيال في حال اليقظة من الحواس، فالأصل هو الحسّ والإدراك به في اليقظة والنوم، ولكن قد يتقوّى الأمر عند بعض الناس فيدركون في اليقظة ما كانوا يدركونه في النوم وذلك يكون للأنبياء وللأولياء.

لقد كانت بداية الوحي بالرؤيا الصادقة؛ فكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح،46 وفي حديث آخر أنّ الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءً من النبوّة،47 فكانت بداية رسالته صلّى الله عليه وسلّم ستة أشهر رؤيا صادقة (من أصل ثلاث وعشرين سنة فهي جزء من ستة وأربعين جزءًا)، وكذلك يقول عليه الصلاة والسلام: إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً.48

إنما بدئ الوحي بالرؤيا دون الحسّ لأن المعاني المعقولة أقرب إلى الخيال منها إلى الحسّ، لأن الحسّ طرفٌ أدنى كثيفٌ والمعنى طرفٌ أعلى وألطف، والخيال بينهما. وبما أنّ الوحي معنى فإذا أراد المعنى أن ينـزل إلى الحسّ فلا بدّ أن يعبر على حضرة الخيال قبل وصوله إلى الحسّ؛ والخيال من حقيقته أن يصوِّر كلَّ ما حصل عنده في صورة المحسوس لا بدَّ من ذلك، فلذلك يرى النائم العِلمَ بصورة اللبن والدِّين بصورة القيد.

ولكنَّ الرؤيا ثلاثة أنواع: منها المبشرات وهي الرؤيا الصالحة. ومنها حديث النفس مما يحدّث المرء به نفسه في اليقظة فيرتقم ذلك في خياله فإذا نام أدرك ذلك بالحسّ المشترك، وهذا يسمى أضغاث الأحلام. والنوع الثالث من الرؤيا من الشيطان تحزين وتخويف. فقد ورد عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: الرؤيا ثلاثة فالرؤيا الصالحة بشرى من الله ورؤيا تحزين من الشيطان ورؤيا مما يحدّث المرء نفسه.49

فالرؤيا هي طريقة من طرق الاتصال بحضرة الخيال، ويرى الشيخ محي الدين أن "بداية الوحي (كانت) بالرؤيا دون الحس لأن المعاني المعقولة أقرب إلى الخيال منها إلى الحس، لأن الحس طرف أدنى والمعنى طرف أعلى وألطف والخيال بينهما؛ والوحي معنى، فإذا أراد المعنى أن ينزل إلى الحس فلابدَّ أن يعبر على حضرة الخيال قبل وصوله الحس ... فإن كان ورود ذلك الوحي الإلهي في حال النوم سمي رؤيا، وإن كان في حال اليقظة سمي تخيُّلاً، فلهذا بدأ الوحي بالخيال" (؟؟؟).

ويقول الشيخ محي الدين أنَّ الإنسان يمكنه الاتصال بحضرة الخيال في اليقظة، أي إدراك ما يمكن أن يدركه الرائي في منامه "وذلك أن اللطيفة الإنسانية تنتقل بقواها من حضرة المحسوسات إلى حضرة الخيال المتصل بها، الذي محله مقدم الدماغ، فيفيض عليها ذلك الروح الموكل بالصور من الخيال المنفصل عن الإذن الإلهي ما يشاء الحق أن يريه" (؟؟؟)، وذلك يكون للإنسان الذي "له قوة إدراك لا تحجبه المحسوسات في يقظته عن إدراك ما بيد الملك الموكل بالرؤيا" (؟؟؟)، وهذا الإنسان هو الولي الذي تولاه الله وخصه بهذه العلوم الذوقية.

الخواطر

وأما الخواطر فهي الواردات الإلهية التي لا تَعمُّل للمرء فيها، وهي ترد على الإنسان من غير إقامة، "فإذا أقامت فهي حديث نفس ما هي خواطر" (؟؟؟)، وذلك مثال إشارة البرق، فيقول الشيخ محي الدين "أن لله سفراء إلى قلب عبده يسمون الخواطر لا إقامة لهم في قلب العبد إلا زمان مرورهم عليه، فيؤدون ما أرسلوا به إليه من غير إقامة، لأن الله خلقهم على صورة رسالة ما أُرسلوا به، فكل خاطر عينه عين رسالته، فعندما يقع على القلب وفهمه فإما يعمل بمقتضى ما أتاه به أو لا يعمل" (؟؟؟) فالخواطر هي خطابات إلهية ترد على قلب العبد، ولكن يجب على الإنسان أن يعرف كيف يميز الخواطر الربانية عن الخواطر الشيطانية أو الملكية أو النفسانية، وقد فصلنا الحديث عنها في كتاب سلوك القلب.50 ولكن ما يهمنا هنا هو أنَّ الخواطر الملكية أو النفسانية أو الشيطانية تأتي على القلب بأمر أو نهي، وأما الخاطر الربَّاني فهو خاطرُ علمٍ وليس خاطرَ عمل، وأما الخواطر الأخرى فهي إمّا خواطر عمل أو خواطر ترك.

الإلهام

يقول الله سبحانه وتعالى في سورة الشمس: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا [7] فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [8] قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [9] وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [10]﴾ فيعدُّ الإلهام خاطراً من الخواطر وهو "أن تعلم أن الله ألهمك بما أوقره في نفسك، ولكن بقي عليك أن تنظر على يدَيْ من ألهمك وعلى أيِّ طريقٍ جاءك ذلك الإلهام، من مَلك أو شيطان، فما يخرج من قبيل الأمر والنهي المشروع فهو العلم اللدنِّي ما هو الإلهام، فالعلم بالطاعة إلهامي، والعلم بنتائج الطاعة لدنِّي، والإلهام عارض طارئ يزول ويجيء غيره، والعلم اللدنِّي ثابت لا يبرح" (؟؟؟)

بحاجة لتحقيق ؟؟؟

الكشف

يُعدُّ الكشف من أهم مصادر التلقي عند الصوفية، ويقول الشيخ محي الدين أنَّ الكشف هو الطريق الذي يسلك عليه والركن الذي يستند عليه في علومه كلها (؟؟؟)، ويقول أيضاً أنَّ الكشف هو المستند الحقيقي الذي تستند إليه العلوم، سواء تلك العلوم التي يمكن أن تُدرك بالنظر أو غيرها: "مستندنا الكشفُ فيما ندَّعيه من العلوم، وقد تكون تلك العلوم مما يدرك بالنظر الفكري، فمن أصاب في نظره وافق أهل الكشف ومن أخطأ في نظره خالف أهل الكشف ... والصواب هو الذي وافق أهل الكشف والتعريف الإلهي لأهل خطابه من ملك ونبي وولي" (؟؟؟). وقد ذكر لنا الشيخ قصة لقائه مع قاضي القضاة الفيلسوف ابن رشد حين كان لا يزال شابّاً حين دعاه ابن رشد لكي يستمع إلى ما يمكن أن يقوله حول فلسفته الأرسطوطاليسية، فسأله: كيف وجدتم الأمر في الكشف والفيض الإلهي، هل هو ما أعطاه لنا النظر؟ فأجابه الشيخ محي الدين إجابته الشهيرة: "نعم ... لا، وبين نعم ولا تطير الأرواح من موادّها والأعناق من أجسادها." وقد فصَّلنا الحديث عن معنى هذه العبارة في كتاب أيام الله.51

هناك ثلاثة معانٍ للكشف أو المكاشفة، فكما يقول الشيخ: "المكاشفة عند القوم تطلق بإزاء الأمانة بالفهم، وتطلق بإزاء تحقيق زيادة الحال وتطلق بإزاء تحقيق الإشارة" (؟؟؟):

المكاشفة بالعلم

وتسمى أيضا الأمانة بالفهم، وهي "أن تعرف من الشهود لِما تجلى، وما أراد بذلك التجلي؛ لأنه ما تجلى لك إلا ليُفهِّمَك ما ليس عندك، فالمشاهدة طريق إلى العلم والكشف غاية ذلك الطريق وهو حصول العلم في النفس، وكذلك إذا خاطبك فقد أسمعك خطابه، وهو شهود سمعي. فإن المشاهدة أبداً للقوى الحسية لا غير، والكشف للقوى المعنوية، فما أسمعك إلا لتفهم عنه. وإذا أفهمك بأي نوع تجلى لك من إدراك صور الحواس فإنما ذلك الفهم أمانة عندك، (و)لتِلك الأمانة أهل لا ينبغي لك أن تودعها إلا لأهلها" (؟؟؟)، فالمكاشفة هي تحصيل معنى المشاهدة، والأمانة أن تحفظ هذا السر ولا تودعه إلا لأهله.

المكاشفة بالحال

وهي تحقيق زيادة الحال، و"زيادة الحال في طريق أهل الله هي أن تشهد ذاتا ما على حال ما فتتطلع من ذلك الحال على ما يؤول إليه أمره لأجل ذلك الحال، فسمي مثل هذا زيادة في الحال ومكاشفة بالحال؛ فالمكاشفة بإزاء تحقيق زيادة الحال هي ما يعطيه تحقيق العبادة على أتم وجه كما شرعها الله سبحانه وتعالى من أجر أو ثواب أو طمأنينة، وهو حال العبد من جراء تلك العبادة أو تلك الحال." (؟؟؟).

المكاشفة بالوجد

وتسمى أيضاً تحقيق الإشارة، وهو"تحقيق الإشارة في المجلس؛ وذلك أن مجالس الحق على نوعين، النوع الواحد: ما تمكن فيه المشاركة في المجلس وهو إذا تجلى للعبد في صورة ما وأمكن أن يحضر في تلك المجالسة جماعة قلُّوا أو كثروا ففي مثل هذا المجلس تكون الإشارة ... فلا بدَّ إذا وقع الإفهام من الله لكل جليس له في هذه الحضرة أن يكون بالإشارة لا بالتصريح فيفهم كلُّ إنسان من تلك الإشارة ما في وسعه، ولله رجال أعطاهم من الفهم الاتساع وحفظ الأمانة أن يفهموا عن الله في مثل هذه المجالس جميع إشارات كلِّ مُشار إليه، وهم الذين يعرفونه في تجلي الإنكار والشاهدون إياه في كل اعتقاد52، أما النوع الثاني من المجالس فهو الذي لا تقع فيه الإشارة وهو الذي يكون بالخلوة به تعالى." (؟؟؟).

الحواشي والمراجع

  1. صحيح البخاري، بدء الوحي، الحديث رقم: 3.

    العودة إلى النص ↑
  2. ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (المجلد السابع، الحديث رقم: 11718)؛ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي" -وقال ابن فضيل مرة: "لا يتخيل بي"- "وإن رؤيا العبد المؤمن الصادقة الصالحة جزء من سبعين جزءاً من النبوة".

    العودة إلى النص ↑
  3. صحيح مسلم، الرؤيا، الحديث رقم: 4200.

    العودة إلى النص ↑
  4. صحيح مسلم، الرؤيا، الحديث رقم: 4200.

    العودة إلى النص ↑
  5. لقلقثث

    العودة إلى النص ↑
  6. الااال

    العودة إلى النص ↑
  7. الحديث

    العودة إلى النص ↑
الإحالة إلى هذه الصفحة

محمد بن علي حاج يوسف. «طرق التلقي عند الشيخ محي الدين — الجزء 1»، في الفتوحات المكية: المقدمة التحليلية. النسخة الإلكترونية، 29 أكتوبر 2026. فوتماك. https://www.futmak.com/arabic/introduction/chapter-03/03-modes-of-reception-part-01.php

بيانات الطبعة

هذا تاريخ إعداد النسخة الإلكترونية. تُحفظ بيانات الطبعة الأصلية في صفحة بيانات الطبعة.

أعلى الصفحة