مسألة الرؤيا في المقدمة
ثم يقول الشيخ محمود: "كيف يعقل أن تصح الرؤيا المذكورة في مقدمة الفصوص وفيها أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وأعطاه الكتاب وقال له: اخرج به إلى الناس ينتفعون به، فعمّ بقوله الناس، في حين أنه من الكتب المبنية على الرمز، والرمز يستخدمه الشيخ لخلاصة خاصة الخاصة، وليس لخاصة الخاصة، أو الخاصة، فضلاً عن العامة، فكيف يمكن أن يكون هذا الكتاب موجه للناس لينتفعوا به في حين أن فهمه استعصى على أئمة علماء المسلمين، بل أدى إلى وقوعهم في الشيخ الأكبر والإنكار عليه، واتهامه بما اتهموه به من الكفر، والإلحاد، والقول بالحلول والإتحاد إلى غير ذلك مما هو معروف."36
فالجواب: هل يُعقل أن يخرج الكتاب إلى فئة معينة دون بقية الناس، وإلا فكيف وصل إلينا بعد ثمانية قرون! ولكنَّ كلَّ من يقرأ الفصوص يصل إلى علم يناسب وعيه العلمي والإيماني. فالله سبحانه وتعالى أنزل القرآن الكريم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، بلغة العرب، في زمن البلاغة والفصاحة، وفيه من الإعجاز ما فيه؛ فأنكره بعضهم ورقت له قلوب أناس آخرين كانت قلوبهم كالحجارة قبل أن يسمعوه، كما كان حال سيدنا عمر ابن الخطاب رضي الله عنه.
تناقضه مع كتب أخرى
ثم يبدأ الشيخ محمود بطرح مسائل يقول إنها تتعارض مع ما ثبت عن الشيخ محي الدين جاءت في كتبه الأخرى كالفتوحات المكية، ويقول إنه لا يمكن الجمع بوجه من الوجوه بين ما هو مذكور فيها وما جاء في كتاب الفصوص، ويقول إنه قد جمع حوالي مائة مسألة وذكرها في كتابه شرح فصوص الحكم، وقد اختار بعض هذه المسائل وأرسلها لفضيلة الشيخ رمضان صبحي ديب الدمشقي، وسوف نناقش هنا أهمها:
خاتم الرسل وخاتم الأولياء
يقول إن هناك تعارضاً بين قول الشيخ محي الدين في الفص الثاني، حكمة نفثية في كلمة شيثية، حيث يقول: "... حتى أن الرسل لا يرونه - متى رأوه - إلا من مشكاة خاتم الأولياء ..."، وبين ما يقول في الفتوحات مثلاً: "ولا ذوق لنا في مقامات الرسل عليهم السلام" (ج4: ص75) وأمثالها كثير في كلام الشيخ.
فاعتراضه هنا هو كيف يستمد الرسول من مشكاة خاتم الأولياء في حين لا ذوق لأحد في مقامات الرسل والأنبياء. ولكنه بكل بساطة يغفل عن حقيقة أنَّ خاتم الأولياء هو نبيٌّ ورسول، وهو عيسى عليه السلام، أما خاتم الأولياء المحمديين فهو محي الدين ابن العربي كما هو معروف لدارسيه،37 كما أنَّ الرسول لا يكون رسولاً إلا أن يكون ولياً، فهو ولي ثم رسول، وكذلك النبي هو ولي ثم نبي، فيكون كلام الشيخ في الفصوص كما يلي:
"... وليس هذا العِلم إِلا لخاتم الرسل (وهو محمد صلى الله عليه وسلم) وخاتم الأولياء (وهو عيسى عليه السلام)، وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إِلا من مشكاة الرسول الخاتم (محمد صلى الله عليه وسلم)، ولا يراه أحد من الأولياء إِلا من مشكاة الولي الخاتم (وهو عيسى عليه السلام)، حتى أن الرسل (من كونهم أولياء) لا يرونه- متى رأوه- إِلا من مشكاة خاتم الأولياء (وهو الرسول عيسى عليه السلام): فإِن الرسالة والنبوة - أعني نبوة التشريع، ورسالته - تنقطعان، والولاية لا تنقطع أبداً. فالمرسلون، من كونهم أولياء، لا يرون ما ذكرناه إِلا من مشكاة خاتم الأولياء، فكيف من دونهم من الأولياء (الذين هم ليسوا أنبياء ولا رسل)؟ وإِن كان خاتم الأولياء (الذي هو عيسى عليه السلام) تابعاً في الحكم لما جاء به خاتم الرسل (الذي هو محمد صلى الله عليه وسلم) من التشريع، فذلك لا يقدح في مقامه ولا يناقض ما ذهبنا إِليه، فإِنه من وجه يكون أنزل، كما أنه من وجه يكون أعلى." (ج1: ص62 من طبعة عفيفي) فالشيخ هنا في الفصوص يقرر أن الرسل والأنبياء، من كونهم رسل وأنبياء، يستمدون من خاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم، في حين إن الأولياء بما فيهم الرسل والأنبياء، من كونهم أولياء، يستمدون من خاتم الأولياء عيسى عليه السلام (وهو نبي ورسول وولي)، فلم يعد في هذا الكلام أي تناقض!
لكن الشيخ محمود غراب يخلط هنا بين مفهوم خاتم الولاية ومفهوم خاتم الولاية المحمدية، فالأول هو عيسى عليه السلام والثاني هو الشيخ محي الدين، و الشيخ محي الدين لم يكن يتكلم، في النص المنقول أعلاه من الفصوص، عن خاتم الولاية المحمدية، بل عن خاتم الأولياء على الإطلاق وهو عيسى عليه السلام وهو رسول ونبي وولي.
إدريس وإلياس عليهما السلام
ويثير الشيخ محمود قضية الخلاف على إدريس وإلياس عليهما السلام، هل هما شخصان أو شخص واحد؟ ففي الفصوص يقول الشيخ محي الدين في الفص الثاني والعشرين، فص حكمة إيناسية في كلمة إلياسية، أن "إلياس هو إدريس كان نبياً قبل نوح، ورفعه الله مكاناً علياً"، فيعدُّهما شخصاً واحداً، في حين يقول في الفتوحات: "أبقى الله تعالى بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرسل الأحياء بأجسامهم في هذه الدار الدنيا ثلاثة وهم: إدريس بقي حياً بجسده وأسكنه الله السماء الرابعة، وأبقى في الأرض أيضاً إلياس وعيسى وكلاهما من المرسلين" (ج2: ص5)، فيعدهما شخصين، وكذلك في (ج1: ص254، ج2: ص445، ج2ص455، ج3: ص39، ج3: ص50، ج3: ص230، ج3: ص514).
والجواب هو أن الخلاف على إدريس وإلياس عليهما السلام خلاف مشهور بين العلماء؛ هل هما شخص واحد أم اثنان، وتذهب بعض الآراء إلى أن إدريس هو إلياس ولكنه رجع في وقت آخر بعد أن رفعه الله تعالى مكاناً علياً، فهما شخص واحد بمسميين، وذلك أن إلياس هو في العهد القديم إيليا وهو النبي المنتظر رجوعه، ولذلك نجد الشيخ يفرق بينهما أثناء الحديث عن المقامات في الفتوحات المكية في المواضع التي نقلها الكاتب مثلاً، في حين إنه يعدهما واحداً في الفصوص المتخصص في الحديث عن خصائص أعيان الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وهذا الكلام يؤكده ابن العربي نفسه في هذا الفص تحديداً حين يقول: "إلياس هو إدريس، كان نبياً قبل نوح، ورفعه الله مكاناً علياً، فهو في قلب الأفلاك ساكن وهو فلك الشمس. ثم بُعث إلى قرية بعلبك (أي بُعث من جديد)". فانظر إلى دقة كلامه حيث جمع بين القولين، فقال إنه هو هو ثم قال إنه كان نبياً ثم رفع ثم بعث باسم إلياس.
إحياء عيسى للموتى
ثم ينقل الشيخ محمود عبارة من الفصوص: "فكان إحياء عيسى للأموات إحياءً محققاً من حيثما ظهر عن نفخه"، ويقول: هل يُتصور أن يقول الشيخ الأكبر في إحياء عيسى للموتى أنه إحياء محقق من حيث ما ظهر عن نفخه؟
فإذا نقلنا العبارة كاملة: "فخرج عيسى يُحْيِي الموتى لأنه روح إلهي، وكان الإحياء للَّه والنفخ لعيسى، كما كان النفخ لجبريل والكلمة للَّه. فكان إحياء عيسى للأموات إحياءً محققاً من حيثما ظهر عن نفخه، كما ظهر هو عن صورة أُمه. وكان إحياؤه أيضاً متوهماً أنه منه وإنما كان للَّه." (ج1: ص139)، فليس هناك أي شيء غريب في هذا الكلام، وهو نفسه ما يقوله في الفتوحات: "فالأفعال من المخلوقين مقدرة من الله ووجود أسبابها كلها بالأصالة من الله، وليس للعبد ولا لمخلوق فيها بالأصالة مدخل إلا من حيث هو مظهر لها" (ج1: ص727)، وأمثال هذه العبارات.
تناقضه مع نفسه
ثم يدعي الأستاذ محمود وجود تناقض داخل الفصوص، فينقل من فص حكمة حقيّة في كلمة إسحاقية كلام الشيخ محي الدين في حق بقي بن مخلد38 الذي رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فسقاه النبي في هذه الرؤيا لبناً، فصدّق بقيُّ بن مخلد رؤياه "فاستقاء فقاء لبناً ... فحرمه الله علماً كثيراً على قدر ما شرب" (ج1: 86). فيقول الأستاذ محمود: هل يعقل أن الشيخ يخطئ مثل هذا الخطأ فيكتب "على قدر ما شرب" بدلا من "على قدر ما استقاء".
وهذا مثال يوضح أثر طريقة القراءة في فهم كتب الصوفية؛ فقد يؤدي الاقتصار على طلب التعارض إلى حجب وجوه أخرى للمعنى، ولا سيما في نص كثيف العبارة مثل الفصوص. والشاهد هنا في هذا الفص يدور على "تصديق الرؤيا"، فتصديق الرؤيا عكس تعبيرها، فلما صدقها بقي واستقاء فقاء لبناً، فما شربه كان لبناً وما قاءه كان لبناً، وهذا ما كسبه، ما وجد غير اللبن. وأما لو عبَّرها بالعلم كما يجب، وما استقاء، لكان كسب قدْرَ ذلك من العلم.
وكما يشرح الشيخ في نفس هذا الفص، لما رأى سيدنا إبراهيم عليه السلام في المنام أنه يذبح ابنه، فصدَّق الرؤيا قال الله سبحانه وتعالى في سورة الصافات: (وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ [104] قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [105] وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [107])، فأخذ بظاهر الرؤيا ولم يعبِّرها فأراد أن يذبح ابنه، ففداه الله بذبح عظيم. فلو عبَّر بقي اللبن بالعلم لحصل على العلم، ولكنه لما صدَّقها وأخذها على ظاهرها بطلت الرؤيا كلها وخسر من العلم "على قدر ما شرب".
فما أدق الشيخ محي الدين في التعبير هنا: فلو قال "على قدر ما قاء"، لبقي الذي في بطنه عِلماً! ولكنه لما علم أن ما شربه من اللبن خرج لبناً حين استقاء، فقاء إما بعضه أو كله، خسر قدر جميع ما شرب وليس فقط قدر ما قاء، لأنه حين قاءه لبناً بطل تأويله بالعلم.
الحواشي والمراجع
-
بقثبقث
العودة إلى النص ↑ -
راجع كتاب شمس المغرب: ص271.
العودة إلى النص ↑ -
هو عبد الرحمن بقي بن مخلد القرطبي (201 ه / 276 ه)، فقيه وإمام ومفسر أندلسي له تفسير للقرآن وكتاب في الحديث رتبه على أسماء الصحابة، وكتاب عن فتاوي الصحابة والتابعين.
العودة إلى النص ↑