(ألوان من مجانين الحق)
ثم لتعلم أن هؤلاء البهاليل-كبهلول و سعدون، من المتقدمين، و أبى وهب الفاضل، و أمثالهم-منهم المسرور و منهم المحزون. و هم، في ذلك، بحسب الوارد الذي ذهب بعقولهم. فان كان وارد قهر قبضهم: كيعقوب الكورانى، كان بالجسر الأبيض، رأيته، و كان على هذا القدم، و كذلك مسعود الحبشي، رأيته بدمشق ممتزجا بين القبض و البسط، الغالب عليه البهت. -و إن كان وارد لطف بسطهم.
رأيت من هذا الصنف جماعة، كأبي الحجاج الغليرى، و أبى الحسن على السلاوى. -و الناس لا يعرفون ما ذهب بعقولهم.
شغلهم ما تجلى لهم عن تدبير نفوسهم. فسخر اللّٰه لهم الخلق، فهم مشتغلون بمصالحهم عن طيب نفس. فاشهى ما إلى الناس، أن يأكل واحد، من هؤلاء، عنده، أو يقبل منه ثوبا: تسخيرا إلهيا. فجمع اللّٰه لهم بين الراحتين:
حيث يأكلون ما يشتهون، و لا يحاسبون و لا يسألون! و جعل (الحق) لهم القبول في قلوب الخلق، و المحبة و العطف عليهم. و استراحوا من التكليف. و لهم، عند اللّٰه، أجر من أحسن عملا، في مدة أعمارهم التي ذهبت بغير عمل. لأنه-سبحانه! -هو الذي أخذهم إليه، فحفظ عليهم نتائج الأعمال، التي لو لم يذهب بعقولهم لعملوها، من الخير. كمن بات نائما على وضوء، و في نفسه أن يقوم من الليل يصلى، فيأخذ اللّٰه بروحه، فينام حتى يصبح: فان اللّٰه يكتب له أجر من قام ليله، لأنه (هو) الذي حبسه عنده، في حال نومه. -فالمخاطب بالتكليف منهم-
و هو روحهم-غائب في شهود الحق الذي ظهر سلطانه فيهم، فما لهم أذن واعية لحفظ سماع من خارج، و تعقل ما جاء به.