و قد قررنا في الباب الذي قبل هذا، أن ماخذ العلوم من طرق مختلفة: و هي السمع و البصر و الشم و اللمس و الطعم و العقل، من حيث ضرورياته- و هو ما يدركه بنفسه من غير قوة اخرى-و من حيث فكره الصحيح أيضا، مما يرجع إلى طرق الحواس أو الضروريات و البديهيات لا غير. فذلك يسمى علما.
( -ا) و الأمور العارضة، الحاصل عنها العلوم، أيضا، ترجع إلى هذه الأصول، لا تنفك عنها. و إنما سميت عوارض من أجل العادة، في إدراك الألوان، أن اللمس لا يدركها، و إنما يدركها البصر: فإذا أدركها الأكمه باللمس-و قد رأينا ذلك-فقد عرض لحاسة اللمس ما ليس من حقيقتها، في العادة، أن تدركه. و كذلك سائر الطرق إذا عرض لها درك ما ليس من شأنها، في العادة، أن يدرك بها، يقال فيه: عرض لها.
(المعرفة الغير العادية و الاقتدار الإلهي)
و إنما فعل اللّٰه هذا، تنبيها لنا (على) أنه ما ثم حقيقة-كما يزعم أهل النظر-لا ينفذ فيها"الاقتدار الإلهي". بل تلك الحقيقة إنما هي بجعل اللّٰه لها على تلك الصورة، و أنها ما أدركت الأشياء،
المربوط إدراكها بها، من كونها بصرا، و لا غير ذلك، بقول اللّٰه، بل بجعلنا.
الفتوحات
المكية للشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي
ترقيم الصفحات موافق لمخطوطة قونية (من 37 سفر) بخط الشيخ محي الدين ابن
العربي - العمل جار على إكمال هذه النسخة. (المقابل في الطبعة الميمنية)