و اللّٰه قد جعل الشكر عبادة، و العبادات لا تترك، و جعل الصدق
عبادة، و ما أطلق عليه الحمد في كل موطن. فان الغيبة صدق، و هو صدق مذموم، و النميمة بالسوء صدق و هو مذموم. و مواطن كثيرة للصدق يكون الصدق مذموما فيها مع الإطلاق. إن الصدق صفة محمودة، فإذا أخذه التفصيل ميزته المواطن عرفا و شرعا. كما أن الكذب، بمطلقه، صفة مذمومة، فإذا أخذه التقييد و التفصيل ميزته المواطن عرفا و شرعا.
(حق شكر اللّٰه منا: الزيادة منا، فيما شكر اللّٰه منا)
فإذا شكر الإنسان ربه، و رأى الشكر و النعمة منه، فقد أتى صفة
محمودة، و هو عبادة. فمن أداها من حيث ما هي عبادة خاصة، و لم يخطر له الشكر من أجل المزيد من جهة هذه العبادة، كما أنه أيضا طلب المزيد من العلم عبادة مامور بها، -فهنالك يكون طلب الزيادة عبادة. و أما في غير ذلك الموطن فما هو عبادة مشروعة. فإذا أدى الإنسان شكر رب النعمة بفصولها من غير طلب الزيادة، فكأنه ترك ما يعطيه الشكر و ما يقتضيه طبع النفوس بذاتها، من طلب زيادات النعم. و لا يمنع هنا"كون الحق سمعه و بصره"أن يكون تاركا لطلب الزيادة، إذ كان الحق لا ينقصه شيء، فان اللّٰه قد اتصف بكونه شاكرا و شكورا، و طلب الزيادة من أعمالنا من كونه شكورا.
فتعين علينا، بل وجب أن نعطى الشكر الإلهي حقه: و هو الزيادة منا فيما شكر منا. و الزيادات عبادات، سواء كان ذلك تركا أو عملا.