اللّٰه أن العبد إذا شرع في المخالفة، التي هو بها مؤمن أنها مخالفة و معصية، فقد عرض نفسه، بفعله إياها، لنزول عذاب اللّٰه عليه، و إيقاع العقوبة به، و أن ذلك الفعل يستدعى وقوع البلاء به من اللّٰه. فيخرج عنه إيمانه الذي في قلبه، حتى يكون عليه كالظلة. فإذا نزل البلاء من اللّٰه يطلبه، تلقاه إيمانه: فيرده عنه-فان الايمان لا يقاومه شيء-و يمنعه من الوصول إليه، رحمة من اللّٰه! و ما بعد بيان رسول اللّٰه-ص ! -بيان.
و لهذا قلنا: إن العبد المؤمن لا يخلص له، أبدا، معصية لا تكون مشوبة بطاعة: و هي كونه مؤمنا بها أنها معصية. فهو من "الذين خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا". فقال اللّٰه: عَسَى اَللّٰهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ -و التوبة الرجوع. فمعناه: أن يرجع (اللّٰه) عليهم بالرحمة. فإنه-تعالى-تمم الآية بقوله: إِنَّ اَللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . - و قال العلماء: "إن عسى، من اللّٰه، واجبة"! فإنه لا مانع له (-تعالى-) .
(الايمان عين طهارة الباطن)
ثم نرجع و نقول: إنه لما كان الايمان عين طهارة الباطن، لم يتمكن أن يتصور الخلاف فيه، كما تصور في الطهارة الظاهرة، إلا بوجه دقيق، يكون حكم الطاهر فيه، في الباطن، حكم الباطن في طهارة الظاهر. فنقول من ذلك الوجه: هل من شرط طهارة الباطن بالايمان، التلفظ به، فينطق اللسان بما يعتقده القلب من ذلك، أم لا؟ فيكون في عالم الغيب، إذا لم يظهر بما يعتقده في الباطن، منافقا، كمنافق، الظاهر في عالم الشهادة.
الفتوحات
المكية للشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي
ترقيم الصفحات موافق لمخطوطة قونية (من 37 سفر) بخط الشيخ محي الدين ابن
العربي - العمل جار على إكمال هذه النسخة. (المقابل في الطبعة الميمنية)