بلغو الايمان و الايمان الفاجرة، و ذكر اللّٰه في طلب المعاش في الأسواق، - غار أن يذكر بهذه الصفة، لما لم يوف المذكور حقه من الحرمة عند الذكر. و الشبلي ما يبعد أن يكون هذا قصده بذلك القول في بدء أمره، و في وقت حجابه عن معرفة ربه. و أما مع"المعرفة"فلا يكون هذا معنى قوله: "إذا لم أر له ذاكرا! ". و إن معنى ذلك عندنا، في حق كبراء العارفين، أن الذكر لا يكون مع المشاهدة، فلا بد للذاكر أن يكون محجوبا. و إن كان "اللّٰه جليس الذاكر"-و لكنه من وراء حجاب الذكر. و كل من هو خلف حجاب من مطلوبه، فإنه لا راحة عنده، فإذا رفع الحجاب وقعت المشاهدة، و زال الذكر بتجلى المذكور. فلذلك قال (الشبلي) : إنما أستريح إذا لم أر له ذاكرا! "-فطلب أن تكون مشاهدته تمنعه عن إدراك الذاكرين، أو تمنى للذاكرين أن يكونوا في مقام الشهود الذي يمنعهم من الذكر. إذ"المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه". -
على هذا يخرج قول هذا الرجل إن كان من العارفين. و على ذوق آخر: و هو أنه لا يستريح إلا إذا رأى أن الذاكر هو اللّٰه، لا الكون إذا كان الحق لسانه، كما هو"سمعه و بصره و يده". فيستريح لأنه رأى أنه قد ذكره من يعلم كيف يذكره، إذ كان هو الذاكر نفسه بلسان عبده. فاستراح عند ذلك، فلم "ير له ذاكرا"غيره!
(غيرة الرسول و أكابر الأولياء)
و أما غيرة الرسول و أكابر الأولياء، فغيرتهم لله كما قلنا. و هي غيرة أدب. و الغيرة كتمان ما ينبغي أن يكتم، لعدم احترامه لو ظهر عند من لا يقدر قدره. كما قال تعالى: وَ مٰا قَدَرُوا اَللّٰهَ حَقَّ قَدْرِهِ فمن الغيرة ستر مثل هذا. -و من الغيرة الإلهية ستره لضنائنه، من أهل الخصوص، في كنف صونه: فلا يعرفون. و ذلك رحمة بالخلق! فإنه-تعالى-
لو أبدى مكانتهم و رتبتهم العلية لمن علم منه أنه لا بد أن يجرى الأذى على يديه في حق هذا المقرب المجتبى، ثم جرى منه ذلك الأذى في حقه، -لكان (هذا) عدم احترام في الجناب الإلهي: حيث لم يعظم، (ذلك المسيء) ما عظمه اللّٰه. فسترهم عن العلم بهم، فما احترموهم و آذوهم لجهلهم بهم، و ذلك لما قدره اللّٰه. -و لهذا تسأل هذا الذي أذى ذلك العبد المقرب، من نبى أو صديق، فتقول له من غير تعيين: "ما عندك في أولياء اللّٰه؟ "فتجد عنده من الحرمة لهم، و التبرك بذكرهم، و الخضوع تحت أقدامهم لو وجدهم. فإذا قلت له: "هذا منهم! "-و هو (فعلا) منهم-، لم يقم عنده تصديق بذلك، و لو جئته بامر معجز و كل آية، ما قدر يعتقد أنها آية، و لا أعطته علما. فما آذى إلا من جهل، لا من علم.
(من غيرة الحق حجابه الخلق عن العلم به و بالخاصة من عباده)