و ربما يقول القائل: يا أيها المحقق، و كيف ترى (بقية) الأسماء (الإلهية) هذا المثال، و (الحال أنه) لا يراه إلا الاسم"البصير"خاصة لا غيره، و كل اسم (هو) على حقيقة ليس الاسم الآخر عليها؟ قلنا له:
لتعلم-وفقك اللّٰه! -أن كل اسم إلهى يتضمن جميع الأسماء كلها، و أن كل اسم ينعت بجميع الأسماء في أفقه. فكل اسم هو: حى، قادر، سميع، بصير، متكلم، -في أفقه و في علمه. و إلا، فكيف يصح أن يكون (كل اسم الهى) ربا لعابده؟ هيهات، هيهات! غير أن ثم لطيفة لا يشعر بها. و ذلك أنك تعلم قطعا في حبوب البر و أمثاله، أن كل برة فيها من الحقائق ما في أختها، كما تعلم أيضا أن
هذه الحبة ليست عين هذه الحبة الاخرى، و إن كانتا تحويان على حقائق مماثلة، فإنهما مثلان. فابحث عن هذه الحقيقة التي تجعلك تفرق بين هاتين الحبتين و تقول: إن هذه ليست عين هذه. و هذا سار في جميع المتماثلات، من حيث ما تماثلوا به. -و كذلك (شأن) الأسماء (الإلهية) : كل اسم جامع لما جمعت الأسماء من الحقائق، ثم تعلم على القطع أن هذا الاسم ليس هو هذا (الاسم) الآخر، بتلك اللطيفة التي بها فرقت بين حبوب البر، و كل متماثل. فابحث عن هذا المعنى حتى تعرفه بالذكر لا بالفكر.
غير أنى أريد أن أوقفك على حقيقة ما ذكرها أحد من المتقدمين، و ربما ما اطلع عليها، فربما خصصت بها، و لا أدرى هل تعطى لغيري بعدى أم لا، من الحضرة التي أعطيتها؟ فان استقراها أو فهمها من كتابى فانا المعلم له، و أما المتقدمون فلم يجدوها. و ذلك أن كل اسم (إلهى) ، كما قررنا، يجمع حقائق الأسماء و يحتوي عليها، مع وجود اللطيفة التي وقع لك التمييز بها بين المثلين. و ذلك أن الاسم المنعم و الاسم المعذب، اللذين هما الظاهر و الباطن، كل اسم من هذين الاسمين يتضمن ما تحويه سدنته، من أولهم إلى آخرهم. غير أن أرباب الأسماء، و من سواهم من الأسماء، على ثلاث مراتب:
منها ما يلحق بدرجات أرباب الأسماء، و منها ما ينفرد بدرجة. فمنها ما ينفرد بدرجة المنعم، و منها ما ينفرد بدرجة المعذب. -فهذه أسماء العالم محصورة و اللّٰه المستعان!