و منهم-رضى اللّٰه عنهم-"الفقراء". و لا عدد يحصرهم أيضا، بل يكثرون و يقلون. قال تعالى تشريفا لجميع الموجودات و شهادة لهم: يٰا أَيُّهَا اَلنّٰاسُ أَنْتُمُ اَلْفُقَرٰاءُ إِلَى اَللّٰهِ -فالفقراء هم الذين يفتقرون إلى كل شيء من حيث إن ذلك الشيء هو مسمى اللّٰه. فان الحقيقة تأبى أن يفتقر إلى غير اللّٰه. و قد أخبر اللّٰه أن الناس فقراء إلى اللّٰه على الإطلاق، و الفقر حاصل منهم. فعلمنا أن الحق قد ظهر في صورة كل ما يفتقر إليه فيه. فلا يفتقر إلى الفقراء إلى اللّٰه، بهذه الآية، شيء. و هم يفتقرون إلى كل شيء!
فالناس محجوبون بالأشياء عن اللّٰه. و هؤلاء السادة ينظرون الأشياء مظاهر الحق، تجلى فيها لعباده حتى في أعيانهم. فيفتقر الإنسان إلى سمعه و بصره، و جميع ما يفتقر إليه من جوارحه و إدراكاته، ظاهرا و باطنا. و قد أخبر الحق في"الحديث الصحيح": "أن اللّٰه سمع العبد، و بصره، و يده"-فما افتقر هذا الفقير إلا إلى اللّٰه في افتقاره إلى سمعه و بصره. فسمعه و بصره، إذن، مظهر الحق و مجلاه! و كذلك جميع الأشياء بهذه المثابة. فما ألطف سريان الحق في الموجودات، و سريان (الموجودات) بعضها في بعضها! و هو قوله (-تعالى-) : سَنُرِيهِمْ آيٰاتِنٰا فِي اَلْآفٰاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ -فالآيات، هنا، دلالات أنها مظاهر للحق.
فهذا حال الفقراء إلى اللّٰه، لا ما يتوهمه من لا علم له بطريق القوم.
فالفقير من يفتقر إلى كل شيء و إلى نفسه، و لا يفتقر إليه شيء.
فهذه أسنى الحالات. قال أبو يزيد: "يا رب! بما ذا أتقرب إليك؟ "قال: