(اللّٰه يعطى على الدوام و المحال تقبل من عطائه على قدر استعدادها) و أما قوله-تعالى-في هذا المقام: كُلاًّ نُمِدُّ، هٰؤُلاٰءِ وَ هَؤُلاٰءِ، مِنْ عَطٰاءِ رَبِّكَ فهو إبانة عن حقيقة صحيحة بما هو الأمر عليه في نفسه:
من أنه"لا حول و لا قوة إلا بالله". و قوله: وَ مٰا كٰانَ عَطٰاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً -أي ممنوعا. يقول: "إن اللّٰه يعطى على الدوام، و المحال تقبل على قدر حقائق استعداداتها". كما نقول: "إن الشمس تنبسط أنوارها على الموجودات، و ما تبخل بنورها على أحد: ، و تقبل المحال ذلك النور على قدر استعدادها".
و كل محل يضيف الأثر إلى الشمس، و يغفل عن استعداده.
فالشخص المبرود يلتذ بحرارتها، و الجسم المحرور يتألم بحرارتها. و النور،
من حيث ذاته واحد، و كل واحد من الشخصين، يتألم بما به يتنعم صاحبه. فلو كان ذلك للنور وحده، لأعطى حقيقة واحدة. و كذلك أعطى ما في قوته. غير أنه للقابل حكم في ذلك، و لا بد. فان النتيجة لا تكون إلا عن مقدمتين. فيسود (نور الشمس) وجه القصار الذي (به) يبيض الثوب.
فان استعداد الثوب تعطى الشمس فيه التبييض، و وجه القصار تعطى الشمس فيه السواد. -و كذلك النفخة الواحدة من النافخ-و هي الهواء-تطفئ السراج، و تشعل النار الذي في الحشيش: و الهواء، في نفسه، واحد.
فترد الآية، من كتاب اللّٰه، واحدة العين على الأسماع: فسامع يفهم منها أمرا واحدا، و سامع آخر لا يفهم منها ذلك الأمر، و يفهم منها أمرا آخر، و آخر يفهم منها أمورا كثيرة. و لهذا يستشهد كل واحد من الناظرين فيها بها، لاختلاف استعداد الأفهام. -و هكذا في التجليات الإلهية. فالمتجلى، من حيث هو في نفسه، واحد العين. و اختلفت التجليات- أعنى صورها-بحسب استعدادات المتجلى لهم. و كذلك (الحكم) ، في العطايا الإلهية، سواء (بسواء) .