تقولون: سقف هذا المسجد ما يمسكه إلا هذه الأسطوانات. أنتم تبصرونها أسطوانات من رخام، و أنا أبصرها رجالا يذكرون اللّٰه و يمجدونه. بالرجال تقوم السماوات، فكيف هذا المسجد؟ ما أدرى: إما أنا هو الأعمى، لا أبصر الأسطوانات حجارة، و إما أنتم هم العمى، لا تبصرون هذه الأسطوانات رجالا. و اللّٰه! يا إخوتى، ما أدرى. لا-و اللّٰه! -أنتم هم العمى! " ثم استشهدني دون الجماعة، فقال: "يا شاب! أ لست أقول الحق؟ "-قلت: "بلى! "ثم جلست إلى جانبه. فجعل يضحك و قال:
"يا ناس! الأستاه المنتنة تصفر بعضها لبعض. و هذا الشاب منتن، مثلى.
هذه المناسبة جعلته يجلس إلى جانبي و يصدقني. أنتم، الساعة، تحسبونه عاقلا و أنا مجنون. هو أجن منى بكثير. و أنتم كما أعماكم اللّٰه عن رؤية هذه الأسطوانات رجالا، أعماكم أيضا عن جنون هذا الشاب". ثم أخذ بيدي و قال لي:
"قم. امش بنا عن هؤلاء! "فخرجت. فلما فارق الناس، ترك يدي من يده، و انصرف عنى.
و هو من أكبر من لقيته من المعتوهين. كنت إذا سألته ما الذي ذهب بعقلك؟ يقول لي: "أنت هو المجنون حقا! و لو كان لي عقل كنت تقول لي ما الذي ذهب بعقلك؟ أين عقلى حتى يخاطبك؟ قد أخذه معه، ما أدرى ما يفعل به؟ و تركني، هنا، في جملة الدواب: آكل، و أشرب، و هو يدبرنى". -قلت له: "فمن يركبك، إذا كنت دابة؟ "-قال:
"أنا دابة وحشية، لا أركب! "-ففهمت أنه يريد خروجه عن عالم الانس، و أنه في مفاوز المعرفة، فلا حكم للانس عليه.