المنصب حجبه الله عن الرحمة الطبيعية التي تورث الشفقة وجعل فيه الرحمة التي تصحبها العزة والسلطان فيرحم بالمشيئة لا بالشفقة ولا للحاجة لأنه العزيز الغني في نفسه فيظلم ويعاقب ربما أكثر من الآخر الذي كان يذمه على ذلك قبل حصوله في مقام الخلافة فإذا قيل له في ذلك يقول والله ما أدري إذا لم يكن عالما فإني لا أجد في نفسي إلا ما ترون والآن قام لي عذر الذي تقدمني فيما كان يفعله وكنت أجد عليه في ذلك وأخبرني صادق أن مثل هذا وقع من الإمام الناصر لدين الله رحمه الله أحمد بن الحسن مع أبيه المستضىء بحضور الوزير وإنه عتب مع الوزير في حق أبيه فلما أفضت إليه الخلافة ظهر منه ما ظهر من أبيه مما أخذه عليه فنبهه الوزير على قوله فقال الحال الذي كنت أجده في ذلك الوقت ذهب عني وما أجد الساعة إلا ما ترى أثره والآن قام عندي عذر أبي رحمه الله فمضمون هذه المنازلة أن الله أنشأ المحمدي على ما أنشأ عليه محمدا صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم فأنشأه بالمؤمنين رءوفا رحيما وأرسله رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ حتى إن دعاءه على رعل وذكوان من الرحمة بهم لئلا يزيدوا طغيانا فيزدادوا من الله بعدا ومن رحمته