ومعنى هذا أنه لما قسمت الأخلاق إلى مكارم وإلى سفساف وظهرت مكارم الأخلاق كلها في الشرائع على الأنبياء والرسل وتبين سفسافها من مكارمها عند الجميع وما في العالم على ما يقوم عليه الدليل ويعطيه الكشف والمعرفة إلا أخلاق الله فكلها مكارم فما ثم سفساف أخلاق فبعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم بالكلمة الجامعة إلى الناس كافة وأوتي جوامع الكلم وكل نبي تقدمه على شرع خاص فأخبر صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم أنه بعث ليتمم مكارم الأخلاق لأنها أخلاق الله فالحق ما قيل فيه إنه سفساف أخلاق بمكارم الأخلاق فصار الكل مكارم أخلاق فما ترك صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم في العالم سفساف أخلاق جملة واحدة لمن عرف مقصد الشرع فأبان لنا مصارف لهذا المسمى سفساف أخلاق من حرص وحسد وشره وبخل وفزع وكل صفة مذمومة فأعطانا لها مصارف إذا أجريناها على تلك المصارف عادت مكارم أخلاق وزال عنها اسم الذم وكانت محمودة فتمم الله به مكارم الأخلاق فلا ضد له كما أنه لا ضد للحق وكل ما في الكون أخلاقه فكلها مكارم ولكن لا تعرف وما أمر الله باجتناب ما يجتنب منها إلا لاعتقادهم فيها إنها سفساف أخلاق وأوحى إلى نبيه أن يبين مصارفها ليتنبهوا فمنا من علم ومنا من جهل فهذا معنى قوله إنه بعث ليتمم مكارم الأخلاق وبه كان خاتما
(الباب الثمانون ومائة في معرفة مقام الشوق والاشتياق وهو من نعوت المحبين العشاق)
شوق بتحصيل الوصال يزول *** والاشتياق مع الوصال يكون
إن التخيل للفراق يديمه *** عند اللقاء فربه مغبون
من قال هون صعبة قلنا له *** ما كل صعب في الوجود يهون
هو من صفات العشق لا من غيره *** والعشق داء في القلوب دفين
ما حكم هذا النعت إلا هاهنا *** وهناك يذهب عينه ويبين