إِنَّ الفُؤَادَ إِذَا مَعْنَاهُ عَانَقَهُ
بَدَا لَهُ فِيهِ إِيجَادٌ وَإِعْدَامُ
اعلم أنَّه لَمَّا اصطَحَبَ الأَلِفُ واللاَّمُ صَحِبَ كلُّ واحدٍ منهما ميلٌ، وهو الهوى والغَرَض، والميل لا يكون إلاَّ عن حركةٍ عشقيَّةٍ؛ فحركة اللاَّمِ حركةٌ ذاتيَّةٌ، وحركة الأَلِفِ حركةٌ عرضيَّةٌ. فظهر سلطان اللاَّمِ على الأَلِفِ لإحداثِ الحركَةِ فيهِ، فكانت اللاَّمُ في هٰذا الباب أقوى من الأَلِفِ، لأنها أعشق، فهمَّتُها أكملُ وجوداً وأتمُّ فعلاً، والأَلِف أقلُّ عشقاً فهمَّتُها أقلُّ تعلُّقاً باللاَّمِ؛ فلم تستطِعْ أن تقيم أوَدَهَا (أي ميلها).
(الفرق بين الصُّوفيِّ والمحقِّق بخصوص سبب ميل الأَلِف واللاَّم)
فصاحب الهمَّة له الفعل بالضَّرورة عند المحقِّقين؛[300] (و)هٰذا (العِلم بأنّ ميلَ الأَلِف كان من جهة فعل همَّةِ اللاَّم، هو) حظُّ الصوفيِّ ومقامُهُ،[301] ولا يقدر (أن) يجاوزه إلى غيره، فإنِ انْتَقلَ إلى مقامِ المحقِّقين فمعرفة المحقِّقِ فوق ذٰلك؛ وذٰلك أنَّ الأَلِفَ ليس ميله من جهة فعلِ اللاَّمِ فيه بهمَّتِه وإنَّما ميلُهُ نزولُهُ إلى اللاَّمِ بالأَلطافِ لتَمَكُّنِ عشقِ اللاَّمِ فيه، ألا تراه قد لوى ساقه بقائمة الأَلِفِ وانعطف عليه حذَراً من الفوتِ؟ فميل الأَلِفِ إليه نُزُولٌ كنُزُولِ الحقِّ إلى السَّماءِ الدُّنيا وهُم أهلُ اللَّيلِ في الثُّلثِ البَاقي.[302]
و(أمّا) ميلُ اللاَّمِ (فـ)معلومٌ عندهما (أي عند الصُّوفيَّة وعند المحقِّقين) معلولٌ مضطرٌّ لا اختلاف عندنا فيه إلاَّ من جهة الباعثِ خاصَّة؛ فالصوفيُّ يجعل ميل اللاَّمِ ميلَ الواجِدين