أيَّة مناسبةٍ بين الحقِّ الواجبِ الوجودِ بذاتِه وبين المُمكِن، وإن كان واجباً به، عند من يقول بذٰلك لاقتضاء الذَّات أو لاقتضاء العِلم؟ ومآخذها الفكريَّة إنما تقوم صحيحة من البراهين الوجوديَّة، ولا بدّ بين الدليل والمدلول والبرهان والمبَرهَن عليه من وجهٍ به يكون التَّعلُّق له نسبةٌ إلى الدليل ونسبةٌ إلى المدلول عليه بذٰلك الدليل، ولولا ذٰلك الوجه ما وصل دالٌّ إلى مدلولِ دليلِه أبداً.
فلا يصحُّ أن يجتمع الخلقُ والحقُّ في وجهٍ أبداً من حيثُ الذَّات، لكن من حيثُ أن هذه الذَّاتِ منعوتةً بالألوهة فهٰذا حكمٌ آخرَ تستقلُّ العقولُ بإدراكه، وكلُّ ما يستقلُّ العقل بإدراكه عندنا يمكن أن يتقدَّم العلمُ به على شُهوده، وذات الحقِّ تعالى بائنة عن هٰذا الحكم؛ فإنَّ شهودَها يتقدَّمُ على العِلم بها، بل تُشهد ولا تُعلم، كما أنَّ الألوهة تُعلم ولا تُشهد، فالذات تقابلها.
وكم من عاقلٍ ممَّن يدَّعي العقلَ الرَّصين من العُلماء النُّظَّار يقول أنَّه حصَل على معرفةِ الذَّات من حيث النَّظر الفِكريّ وهو غالطٌ في ذٰلك، وذٰلك لأنَّه مُتردِّدٌ بفِكرِه بين السَّلب والإِثبات؛ فالإِثبات راجعٌ إليه، فإنَّه ما أثبَتَ للحقِّ النَّاظر إلا ما هو النَّاظر عليه من كونه عالِماً قادِراً مُريداً إلى جميع الأسماء، والسَّلب راجعٌ
