الضيق وأسفله الواسع. وهكذا خلقه الله، فأول ما خلق منه الضيق، وآخر ما خلق منه ما اتسع، وهو الذي يلي رأس الحيوان.
ولا شك أن حضرة الأفعال والأكوان أوسع، ولهٰذا لا يكون للعارف اتساع في العلم إلا بقدر ما يعلمه من العالَم. ثم إنه إذا أراد أن ينتقل إلى العلم بأحدية الله تعالى، لا يزال يرقى من السعة إلى الضيق قليلا قليلا؛ فتقل علومه كلما رقى في العلم بذات الحق كشفا، إلى أن لا يبقى له معلوم إلا الحق وحده، وهو أضيق ما في القرن.
فضيقه هو الأعلى على الحقيقة، وفيه الشرف التام، وهو الأول الذي يظهر منه إذا أنبته الله في رأس الحيوان؛ فلا يزال يصعد على صورته من الضيق، وأسفله يتسع، وهو لا يتغير عن حاله، فهو المخلوق الأول.
(مثال الواحد وتكاثر العدد)
أ لا ترى الحق سبحانه أول ما خلق القلم، أو قل العقل كما قال، فما خلق إلا واحدا؛ ثم أنشأ الخلق[54] من ذٰلك الواحد فاتسع العالَم. وكذٰلك العدد منشؤه من الواحد، ثم الذي يقبل الثاني لا من الواحد الوجود، ثم يقبل التضعيف والتركيب في المراتب فيتسع اتساعا عظيما إلى ما لا يتناهى.
فإذا انتهيت فيه من الاتساع إلى حد ما من الآلاف وغيرها، ثم تطلب الواحد الذي نشأ منه العدد، لا تزال في ذٰلك تقلل العدد ويزول عنك ذٰلك الاتساع الذي كنت