انتقل إلى المحتوى
الفتوحات المكيةFUTMAK.COM

دراسة تحريرية

الرحمة واختلاف القوابل: بين عموم العطاء وخصوص الأحكام

دراسة تقارن دلالة الرحمة في تفسير البسملة بتنوع الاستعداد وصور الجزاء، وتفصل بين العرض الوجودي والحكم الأخلاقي، وبين الرجاء وادعاء العلم بمصير الأفراد.

مادة تحريرية للموقع؛ يُفصل فيها النص المنقول عن الشرح والتحليل.

الرحمة ليست معنى واحدا في جميع المواطن

تدعو كلمة الرحمة إلى معنى قريب هو الرفق بمن يتألم، لكن النص الأكبري يستعملها أيضا في الكلام على الوجود والأسماء والاستعداد والجزاء. فإذا حملنا جميع المواضع على الشعور الإنساني وحده ضاق المعنى، وإذا جعلناها مصطلحا كونيا خالصا فقدنا سؤال الفعل والمسؤولية. تقترح هذه الدراسة حفظ المستويين، ثم فحص العلاقة بين عموم العطاء واختلاف أحكامه، من غير أن تختزل مسائل الخلاص والشر في جواب قصير. [1]

ليست غاية الدراسة تقرير مذهب عقدي ملزم للقارئ، بل بيان كيف يعمل المفهوم في نصوص محددة. كما أن عرض قول المؤلف في مآلات الجزاء لا يجيز إسناد المصير الأخروي لأشخاص بأعيانهم، ولا يحول الاجتهاد في تفسير العبارة إلى علم بالغيب. هذه حدود تتصل مباشرة بنوع الدعوى التي نبحث فيها.

الأسماء الثلاثة في تفسير البسملة

يربط الباب الخامس ظهور العالم بالأسماء الله والرحمن والرحيم، ويصف الرحمن بصفة عامة تتعلق بالعالم في الدنيا، ثم يفصل جهة أخرى للرحيم في الحديث عن الآخرة. لا يكفي أن نسجل مقابلا معجميا واحدا للاسمين ونستعمله في كل فقرة؛ فالسياق يحدد جهة التمييز التي يقصدها الكاتب. والتفسير هنا يتحرك بين الجمع والتفصيل، وبين عموم العطاء ووصف أصناف من المتلقين. [1]

ينتج من هذا، على مستوى التحليل، أن العموم والخصوص ليسا بالضرورة نقيضين: قد يشترك الجميع في أصل العطاء، ثم تختلف أحكام مخصوصة باختلاف المواطن. ولا يحق لنا مع ذلك أن نملأ الفراغ بتعريف جاهز لكل اسم، لأن المؤلف قد ينظر إليه من جهة أخرى في موضع آخر. الأولى أن نثبت تعريف الموضع أولا، ثم نقارنه بالتعريف الذي نجده لاحقا، ونفسر اختلاف الاعتبار إذا دل عليه النص.

القابلية لا تنفصل عن الفيض

في الفص الآدمي يشرح ابن العربي تسوية الصورة وقبولها الفيض، ثم يقول إن القابل نفسه من الفيض. هذه العبارة تمنع تصور الاستعداد قوة مستقلة في مواجهة المعطي، كأن الموجود يصنع قابليته خارج كل افتقار. وفي الوقت نفسه لا تلغي اختلاف القوابل، لأن الصورة التي يظهر فيها الأمر لها حكم في ظهوره. فالعلاقة مركبة: العطاء لا يجعل الصور متماثلة، والتمايز لا يمنحها استقلالا عن أصلها. [2]

ليس المقصود من ذلك إثبات تفسير حتمي كامل لأفعال الإنسان من فقرة واحدة. فنقل بحث الاستعداد إلى مسائل الاختيار والاستحقاق يحتاج نصوصا أخرى. ما نستطيع قوله هنا هو أن المؤلف لا يضع الفيض والقابلية في علاقة تنافس بين مصدرين مستقلين. وتفيد هذه النتيجة في قراءة الرحمة: تنوع ما يتلقاه الموجود لا يكفي وحده دليلا على غياب العطاء أو تساوي جميع آثاره.

حدود النظر من الخارج

في الكلام السابق مباشرة لعنوان الباب 59 يعرض ابن العربي تصويرا لمآل أهل النار، ويستعمل مثال النائم الذي تختلف حاله في رؤياه عما يراه الناظر إلى فراشه ومرضه. علينا أن نميز المثال من النتيجة: المثال يبين إمكان اختلاف التقدير باختلاف جهة النظر، أما النتيجة الأخروية فيبنيها المؤلف في سياق الرحمة والجزاء. لا يصح أن يصبح المثال، مستقلا عن ذلك السياق، برهانا تجريبيا على أحوال الآخرة. [3]

والعرض الأمين لا يحذف من الفقرة كلام العذاب قبل لحوق الرحمة، ولا يجعلها إنكارا بسيطا لكل جزاء. كما لا يتجاهل أن تفسيرها موضع بحث ونقاش. يمكن للقارئ فحص أسئلة محددة: إلى من يعود الضمير؟ وما الفترة التي يتحدث عنها؟ وهل الحكم على المنزل أم على إحساس ساكنه؟ بهذا تتقدم الدراسة في النص نفسه، بدلا من أن تستبدل به شعار التسامح أو نقيضه.

دراسة معاصرة: الرحمة والألم

يناقش محمد علي حاج يوسف، في «خزانة الرحمة المطلقة»، كيف قد تتصل الرحمة بالألم في بعض أمثلة ابن العربي، وكيف تتجاوز معنى الانفعال إلى نفع المتلقي. يفيد هذا المدخل في توجيه القراءة إلى اختلاف الجهة والوقت والغاية، لكنه لا يمنح الإنسان حق تبرير كل إيذاء بادعاء معرفة المصلحة. [4]

هذا الاحتراز الأخير ضروري عند نقل البحث من النظر في الأسماء إلى العلاقات بين الناس. قد يعرف الفاعل نفسه رحيما بينما يقع أثر فعله ظلما، وقد يستعمل لغة الخير لتجنب الإصغاء إلى المتضرر. لذلك يبقى الحكم على فعل إنساني محتاجا إلى معرفة الحقوق والوسائل والنتائج، ولا يستمد صحته من تشبيه عام بتدبير إلهي. الفارق بين علم الإنسان المحدود وما ينسبه النص إلى العلم الإلهي لا يجوز إسقاطه.

الرجاء لا يسقط المسؤولية

يجعل ختام الفتوحات الإنسان مخاطبا بالوصية، ويأمره بالمبادرة إلى الطاعة في موضع المعصية. قراءة هذا التوجيه إلى جوار مباحث الرحمة تمنع تحويل الرجاء إلى إعفاء من الفعل. فالمؤلف الذي يوسع أفق النظر إلى المآل يطالب أيضا بتصحيح ما يقع في الحاضر. ولا يمكن إنصاف الكتاب إذا نشرنا أحد الخطابين وحذفنا الآخر. [5]

وليس الجمع بينهما تسوية سهلة لجميع التوترات. تبقى أسئلة عن الاستحقاق والعفو والعدل ومعنى العقوبة، ويجب مناقشتها في مواضعها. لكن وجود الأسئلة لا يلزمنا باستنتاج أن لغة الرحمة تناقض كل تكليف، كما لا يخولنا اعتبار التكليف نافيا لكل رجاء. القراءة الأفضل تترك لكل خطاب قوته، وتبحث عن الصلة التي يقيمها المؤلف، وعن حدود ما استطاعت هي تفسيره.

ويحذر الفص الآدمي من القوة التي يحجبها اختصاصها عن إدراك ما لدى غيرها، ثم يصل ذلك بأدب الدعوى. تستطيع دراسة القوابل الإفادة من هذا التحذير: لا تكون سعة العطاء مبررا لأن يتوهم كل فرد أنه استوفى وجوهه. بل يصبح اعترافه بما لم يعلم شرطا كي يرى موضع الآخر في المجال الذي لا يحيط به وحده. [2]

القوابل وفضيلة الإصغاء

إذا كانت أحوال التلقي متفاوتة، فلا ينبغي أن يفترض المعلم أن العبارة الواحدة تعمل بالطريقة نفسها عند كل مخاطب. يمكن الاستفادة تربويا من هذا المعنى في تدرج الشرح، وفي الاعتراف باختلاف حاجات القراء، دون اختراع تصنيفات ثابتة للناس أو ادعاء معرفة استعداداتهم الباطنة. اختلاف القابلية سؤال يفتح الإصغاء، لا رتبة يمنحها الكاتب لنفسه ليقرر من يستحق الفهم ومن لا يستحقه.

وتصلح هذه النتيجة أيضا لتحرير الموقع بلغات مختلفة: لا تكفي ترجمة كلمة الرحمة آليا في كل موضع؛ ينبغي شرح مجالها في النص، وحفظ الفرق بين اسم إلهي وفعل إنساني وتصور للجزاء. نترك للقارئ روابط الأصل وبيانات السياق، ونعلن ما أضفناه من تحليل. بهذه الطريقة يظل عموم الرحمة موضوع بحث جاد متصل بالاختلاف والمسؤولية، ولا يتحول إلى عبارة مريحة تنهي الأسئلة التي جاء النص لفتحها.

نصوص متصلة بهذا المدخل

fm-p0027 · الباب 178

المحبة في القرآن واتباع الرسول

وقد وردت المحبة في القرآن والسنة في حق الله وفي حق المخلوقين وذكر أصناف المحبوبين بصفاتهم وذكر الصفات التي لا يحبها الله وذكر الأصناف الذين لا يحبهم الله فقال تعالى لنبيه صَلَّى اللهُ عَليهِ…

صورة الصفحةالإنجليزية · مسودات

المصادر والإحالات

  1. الفتوحات المكية، الباب الخامس: الأسماء الثلاثة في البسملة، الجزء الأول، ص 102محيي الدين ابن العربي · العربية
  2. فصوص الحكم، الفص الآدمي: الاستعداد والقابل والفيضمحيي الدين ابن العربي · العربية
  3. الفتوحات المكية، ختام الباب 58 السابق لعنوان الباب 59، الجزء الأول، ص 290محيي الدين ابن العربي · العربية
  4. The Treasury of Absolute MercyMohamed Haj Yousef · الإنجليزية
  5. الفتوحات المكية، الباب 560: الوصايا الأولى، الجزء الرابع، ص 445محيي الدين ابن العربي · العربية

توثيق هذه المادة

موقع الفتوحات المكية، «الرحمة واختلاف القوابل: بين عموم العطاء وخصوص الأحكام»، دراسة تحريرية، 2026-10-19، https://www.futmak.com/studies/?id=mercy-receptivity-and-judgement

قراءات مرتبطة