فآيته (أي آية موسى) ، عند السحرة، خوفه، و آيته، عند الناس، تلقف عصاه. فآمنت السحرة. -قيل كانوا ثمانين ألف ساحر-. و علموا أن أعظم الآيات في هذا الموطن، تلقف هذه الصور من أعين الناظرين، و إبقاء صورة حية عصا موسى في أعينهم، و الحال، عندهم، واحدة. فعلموا صدق موسى فيما يدعوهم إليه، و أن هذا الذي أتى به خارج عن (طور) الصور و الحيل المعلومة في السحر، فهو أمر إلهى ليس لموسى-ع ! -فيه تعمل. فصدقوا برسالته على بصيرة، و اختاروا عذاب فرعون على عذاب اللّٰه، و آثروا الآخرة على الدنيا، و علموا، من علمهم بذلك، "أن اللّٰه على كل شيء قدير"، "و أن اللّٰه قد أحاط بكل شيء علما"، -و أن الحقائق
لا تتبدل، و أن عصا موسى مبطونة في صورة حية عن أعين الجميع، و عن (عين) الذي ألقاها بخوفه الذي شهدوا منه. -فهذه فائدة العلم!
(التشكيك في الحواس و غلط السوفسطائية)
و إن جاءك الشيطان، من جهة الشمال، بشبهات التعطيل أو وجود الشريك لله-تعالى! -في ألوهيته، -فطردته فان اللّٰه يقويك على ذلك بدلائل التوحيد و علم النظر. فان الخلف للمعطلة! و دفعهم (يكون) بضرورة العلم الذي يعلم به وجود الباري. فالخلف للتعطيل، و الشمال للشرك، و اليمين للضعف، و من بين أيديهم: التشكيك في الحواس.
( -ا) و من هنا دخل التلبيس على السوفسطائية حيث أدخل (الشيطان) لهم الغلط في الحواس، و هي التي يستند إليها أهل النظر في صحة أدلتهم و إلى البديهيات-في العلم الإلهي و غيره. فلما أظهر (الشيطان) لهم الغلط في ذلك قالوا: ما ثم علم، أصلا، يوثق به. فان قيل لهم: فهذا علم بانه ما ثم علم، فما استندكم و أنتم غير قائلين به؟ قالوا: و كذلك نقول إن قولنا هذا ليس بعلم، و هو من جملة الأغاليط. يقال لهم: فقد علمتم أن قولكم:
هذا ليس بعلم، و قولكم: إن هذا من جملة الأغاليط، -إثبات ما نفيتموه!