و قد كان موسى-ع! -لما ألقى عصاه فكانت"حية تسعى"، خاف منها (أولا) على نفسه، على مجرى العادة. و إنما قدم اللّٰه، بين يديه، معرفة هذا قبل جمع السحرة، ليكون على يقين من اللّٰه أنها آية،
و أنها لا تضره. و كان خوفه الثاني-عند ما ألقت الحبال و العصي، فصارت حيات في أبصار الحاضرين-(نقول:) كان خوفه (هذا) على الأمة، لئلا يلتبس عليهم الأمر، فلا يفرقون بين الخيال و الحقيقة، أو بين ما هو من عند اللّٰه و بين ما (هو) ليس من عند اللّٰه. فاختلف تعلق الخوفين (عند موسى) ، فإنه-ع! -على بينة من ربه، قوى الجأش بما تقدم له.
إذ قيل له في الإلقاء الأول: خُذْهٰا وَ لاٰ تَخَفْ سَنُعِيدُهٰا سِيرَتَهَا اَلْأُولىٰ أي ترجع عصا كما كانت في عينك. فأخفى-تعالى! - العصا في روحانية الحية البرزخية، فتلقفت جميع حيات السحرة، المتخيلة في عيون الحاضرين، فلم يبق لتلك الحبال و العصي عين ظاهرة في أعينهم:
و هي ظهور حجته على حججهم، في صور حبال و عصى! فأبصرت السحرة و الناس حبال السحرة و عصيهم، التي ألقوها، حبالا و عصيا: فهذا كان تلقفها، لا أنها انعدمت الحبال و العصي، إذ لو انعدمت لدخل عليهم التلبيس في عصا موسى، و كانت الشبهة تدخل عليهم. فلما رأى الناس الحبال حبالا، علموا أنها مكيدة طبيعية، يعضدها قوة كيدية روحانية. فتلقفت
عصا موسى صور الحيات من الحبال و العصي، كما يبطل كلام الخصم، إذا كان على غير حق، أن يكون حجة، لا أن ما أتى به ينعدم، بل يبقى محفوظا معقولا عند السامعين، و يزول عندهم كونه حجة. -فلما علمت السحرة قدر ما جاء به موسى من قوة الحجة، و أنه خارج عما جاءوا به، و تحققت شفوف ما جاء به على ما جاءوا به، و رأوا خوفه، -علموا أن ذلك من عند اللّٰه، و لو كان من عنده لم يخف لأنه يعلم ما يجرى.