(الشكر لله و للوالدين من المقام الكلى)
قال-تعالى! -: أَنِ اُشْكُرْ لِي وَ لِوٰالِدَيْكَ . -فقد تبين لك، أيها الولى! آباؤك و أمهاتك: من هم؟ إلى أقرب أب لك، و هو الذي ظهر عينك به، و أمك كذلك القريبة إليك، إلى الأب الأول، و هو الجد الأعلى، إلى ما بينهما من الآباء و الأمهات. فشكرهم الذي يسرون به و يفرحون بالثناء عليهم، هو أن تنسبهم إلى مالكهم و موجدهم، و تسلب الفعل عنهم، و تلحقه بمستحقه الذي هو خالق كل شيء. فإذا فعلت هذا، فقد أدخلت سرورا على آبائك بفعلك ذلك. و إدخال هذا السرور عليهم هو عين برك بهم، و شكرك إياهم. و إذا لم تفعل هذا، و نسيت اللّٰه فيهم، فما شكرتهم، و لا امتثلت أمر اللّٰه في شكرهم.
فإنه (-تعالى! -) قال: أَنِ اُشْكُرْ لِي -فقدم نفسه، ليعرفك أنه السبب الأول و الأولى، ثم عطف و قال: وَ لِوٰالِدَيْكَ -و هي
الأسباب التي أوجدك اللّٰه عندها (لا بها) ، لتنسبها إليه-سبحانه! -، و يكون لها عليك فضل التقدم بالوجود خاصة، لا فضل التأثير، لأنه في الحقيقة لا أثر لها، و إن كانت أسبابا لوجود الآثار (عنها، أو عندها) . فبهذا القدر صح لها الفضل، و طلب منك الشكر لها، و أنزلها الحق، لك و عندك، منزلته في التقدم عليك، لا في الأثر، ليكون الثناء بالتقدم و التأثير لله-تعالى! -، و بالتقدم و التوقف للوالدين، و لكن على ما شرطناه. "فلا تشرك بعبادة ربك أحدا"! فإذا أثنيت على اللّٰه-تعالى! -و قلت: ربنا و رب آبائنا العلويات و أمهاتنا السفليات، فلا فرق أن أقولها أنا، أو يقولها جميع بنى آدم من البشر. فلم نخاطب شخصا بعينه حتى نسوق آباءه و أمهاته، من آدم و حواء إلى زمانه. و إنما القصد هذا النشء الإنساني. فكنت مترجما عن كل مولود بهذا التحميد: من عالم الأركان و عالم الطبيعة و (عالم) الإنسان. ثم نرتقى في النيابة عن كل مولد، بين مؤثر و مؤثر فيه، فنحمده بكل لسان، و نتوجه إليه بكل وجه، فيكون الجزاء لنا، من عند اللّٰه، من ذلك المقام الكل.
(السلام التام على جميع الأنام!)