إذا قال اللّٰه في حق من اصطفاه من عباده: "إنه ظالم لنفسه"-حيث حمل"الأمانة"و هذا هو"ظلم المصطفين من عباد اللّٰه"لا ظلم متعدى الحدود الإلهية، فإنه"من يتعد حدود اللّٰه فقد ظلم نفسه"-لأن لنفسه حدا تقف عنده، و هي عليه في نفسها، و ذلك
الحد هو عين عبوديتها. و"حد اللّٰه"هو الذي يكون له، فإذا دخل العبد في نعت الربوبية-و هو اللّٰه-فقد تعدى حدود اللّٰه، "و من يتعد حدود اللّٰه فأولئك هم الظالمون"-لأن حد الشيء يمنع ما هو منه أن يخرج منه، و ما ليس منه أن يدخل فيه. هذه هي الحدود الذاتية، فمن يتقيها"فأولئك هم المفلحون"، تِلْكَ حُدُودُ اَللّٰهِ فَلاٰ تَقْرَبُوهٰا كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ اَللّٰهُ آيٰاتِهِ لِلنّٰاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ -فوصفهم (اللّٰه) بالتقوى إذا لم يتعدوها، و جعلوها وقاية لهم.
(الحدود الذاتية لله، و الرسمية)
و ليس بأيدينا من"الحدود الذاتية"لله شيء، و الذي عندنا إنما هي"الحدود الرسمية"و لهذا اجترأ العباد عليها و تعدوها، و منها عوقبوا. كما إذا أدخلهم الحق، صاحب الحد، فيما هو له لم يتصف
الداخل بالظلم، فما استوجب عقوبة. و لما كان (هذا) "حدا رسميا" قبل العبد الدخول فيه، فان دخل (العبد) فيه بنفسه، من غير إدخال صاحبه، فقد عرض نفسه للعقوبة، فصاحب الحد (حينئذ) بخير النظرين: إن شاء عاقب، و إن شاء عفا، و إن شاء أثنى. كالمتصف بالكرم و العفو و الصفح. و هذه كلها"حدود رسمية"للحق.
(حدود اللّٰه اللفظية)
فاعلم ما نبهتك عليه من"العلم الغريب"في هذه المسالة، فإنها من لباب المعرفة بالله. -و أما"حدود اللّٰه اللفظية"فما حجر (الشرع) منها شيئا سوى كلمة"اللّٰه"، و اختلفوا في كلمة "الرحمن"-بالألف و اللام. و كذلك أيضا لم يتسم أحد ب"الرحمن الرحيم"-على أن يكون من"الأسماء المركبة"مثل: بعل بك، و رام