(الدنيا دار امتزاج و نطفة أمشاج، و الآخرة دار تمييز)
قال اللّٰه تعالى: وَ اِتَّقُوا فِتْنَةً لاٰ تُصِيبَنَّ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَ اِعْلَمُوا أَنَّ اَللّٰهَ شَدِيدُ اَلْعِقٰابِ -و أي عقوبة أشد من عقوبة تعم المستحق بها و غير المستحق، و الظالم، و غير الظالم، و البريء و الفاعل؟ و هي هذه الحدود الدنياوية لأنها (أعنى الدنيا) دار امتزاج و"و نطفة أمشاج"فتعم عقوبتها لعدم التمييز، و حدود الآخرة ليست كذلك فإنها دار تمييز، فلا تصيب العقوبة إلا أهلها. فلو كانت نشاة الآخرة من"نطفة أمشاج"-كما ذهب إليه ابن قسى-
لعمت العقوبة أهلها و غير أهلها. و من هنا، إن نظرت، تعرف نشاة الآخرة أنها على غير مثال سبق، كما أن نشاة الدنيا على غير مثال سبق. و هو قوله (-تعالى-) : وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ اَلنَّشْأَةَ اَلْأُولىٰ فَلَوْ لاٰ تَذَكَّرُونَ - أنها كانت على غير مثال، و لهذا أتى بكلمة التحضيض (-لو لا) .
(الفتنة العامة، و العقوبة الشاملة، و الحدود المتداخلة)
و هذه الفتنة العامة و العقوبة الشاملة و الحدود المتداخلة (في الدنيا) (هي) من صفة قوله (-تعالى-) فَعّٰالٌ لِمٰا يُرِيدُ -فان ظاهرها لا يقتضي العدل، و باطنها يقتضي الفضل الإلهي. ففي الآخرة: "لا تزر وازرة وزر أخرى"، و هنا ليس كذلك في عموم صورة العقوبة. و لكن ما هي في البريء عقوبة و إنما هي فتنة، و في الظالم (هي) عقوبة لأنها جاءته عقيب ظلمه. فما يستوجبها البريء و لكن حكم
الدار عليه، كما يحكم على أهل دار الكفر الدار، و إن كان فيها من لا يستحق ما يستحقه الكفار. قال تعالى: وَ لاٰ تَرْكَنُوا إِلَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ اَلنّٰارُ . -و النبي-ص-قد جعل"مولى القوم منهم"-في الحكم، و ما هو منهم في نفس الأمر. -جعلنا اللّٰه ممن عامله بفضله، و لم يطلبه (-يطالبه) بواجب حقه! -.
(ظلم المصطفين من عباد اللّٰه)