لا يجتمعان فان أحكامهما مختلفة. -فان قلت: "فقوله (-ع-) : و أعوذ بك، منك؟ "-قلنا: فيه وجهان. الواحد أن قوله: "و أعوذ بك"ما هو حكم"الباء"هنا (هو) حكم"إلى". فإنه (-ع-) يستعيذ بالله في حال فراره، و ما بلغ إلى حكم "إلى"، و نحن إنما نتكلم في لفظة"إلى"من حيث ما تدل عليه. و هذا التعويذ النبوي إنما وقع ب"الباء"-فلا وجه لقولك بهذا الاستشهاد. - و الوجه الآخر أنه و إن جعلنا مطلوب"إلى"عين المستعاذ به في نهاية الفرار، فمعلوم أنه لو كان عين من تفر منه (هو) عين من تفر إليه-من غير اختلاف نسبة-لم يصح فرار. فلا بد من اختلاف النسب. فالنسبة التي جعلتك تفر"منه"(هي) غير النسبة التي فررت إليه من
أجلها. و العين واحدة. (و هذا) مثل قوله (-تعالى-) : يَوْمَ نَحْشُرُ اَلْمُتَّقِينَ إِلَى اَلرَّحْمٰنِ وَفْداً -فالعين التي يحشر"منها"هي العين التي يحشر"إليها"و يعينها ما وصفت به. فانظر أي اسم (إلهى) يكون مشهود المتقى؟ فما تجده"الرحمن"و إن كان معه في حال وقايته.
و لكن تحشر"إليه"(-سبحانه-) لينفرد (الاسم الإلهي الخاص) بك، دون أن يكون لاسم (إلهى) آخر تصرف فيك.
و بقوله (-تعالى-) : إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ -تعلم ما هو الاسم الذي من أجله كان"الإنذار البين"من المنذر لك. و قوله:
"منه"-(الضمير) يعود على اللّٰه، هو الذي وجهه ليامرك ب"الفرار إليه". و إنما جاء (التنزيل العزيز) بالاسم (الإلهي) الجامع (-اللّٰه) إذ كان في عرف الطبع الاستناد إلى الكثرة، يقول النبي-ص-: "يد اللّٰه مع الجماعة". فالنفس يحصل لها الأمان باستنادها إلى الكثرة.
و"اللّٰه"(هو) مجموع"أسماء الخير"، إذا حققت معرفة الأسماء الإلهية وجدت"أسماء الأخذ"قليلة، و"أسماء الرحمة"كثيرة في "الاسم اللّٰه"، فلذلك أمرك (القرآن) ب"الفرار إلى اللّٰه". -فاعلم ذلك!
("الفرار"حكم يستصحب العبد دنيا و آخرة)