فإذا قال العالم: "لا إنه إلا اللّٰه! "لقول رسول اللّٰه-ص -له: "قل لا إله إلا اللّٰه عن أمر اللّٰه"، -سمى مؤمنا. فان الرسول أوجب عليه أن يقولها، و قد كان، في نفسه، عالما بها، و مخيرا، في نفسه، في التلفظ بها و عدم التلفظ بها. -فهذه مرتبة العالم بتوحيد اللّٰه من حيث الدليل.
فمن مات و هو يعلم أنه لا إله إلا اللّٰه، دخل الجنة بلا شك و لا ريب.
و هو من السعداء. فاما في الفترات، فيبعثه اللّٰه أمة وحده-كقُسِّ بن ساعدة لا تابع له لأنه ليس بمؤمن، و لا هو متبوع لأنه ليس برسول من عند اللّٰه، بل هو عالم بالله و بما علم من الكوائن الحادثة في العالم، باى وجه علمها. و ليس لمخلوق أن يشرع ما لم يأذن به اللّٰه، و لا أن يوجب وقوع ممكن من عالم الغيب، يجوز خلافه في دليله، على جهة القربة إلى اللّٰه، إلا بوحي من اللّٰه و إخبار.
(بروج الفلك و منازله و سباخة كواكبة أدلة على حكم ما يجريه اللّٰه في عالمى الطبيعة و العناصر)
و هنا نكت لمن له قلب و فطنة، لقوله-تعالى-: وَ أَوْحىٰ فِي كُلِّ سَمٰاءٍ أَمْرَهٰا و قوله: "إنه أودع في اللوح المحفوظ جميع ما يجريه في خلقه إلى يوم القيامة". و مما أوحى اللّٰه في سماواته، و أودعه في"لوحه" بعثة الرسل. فتؤخذ من"اللوح"كشفا و اطلاعا، و تؤخذ من السماء نظرا و اختبارا. و علمهم ببعثة الرسل (هو) علمهم بما يجيئون به من القربات إلى اللّٰه، و بازمانهم و أمكنتهم و حلاهم، و ما يكون من الناس بعد الموت، و ما يكون منهم في البعث و الحشر، و ما لهم إلى السعادة و الشقاء، من جنة و نار.
و إن اللّٰه جعل بروج الفلك. و منازله، و سباحة كواكبه أدلة على حكم ما يجريه اللّٰه في العالم الطبيعي و (العالم) العنصري: من حر، و برد، و يبس، و رطوبة، في حار، و بارد، و رطب، و يابس. فمنها ما يقتضي وجود الأجسام في حركات معلومة، و منها ما يقتضي وجود الأرواج، و منها ما يقتضي بقاء مدة السماوات، و هو العلم الذي أشار إليه أبو طالب المكي: "من أن الفلك يدور بانفاس العالم. " و مع رؤيتهم لذلك كله، هم فيه متفاضلون، بعضهم على بعض. فمنهم الكامل المحقق المدقق، و منهم من ينزل عن درجته بالتفاضل في النزول.