اعلم أيدنا الله وإياك بِرُوحٍ مِنْهُ أن الله تعالى ما أخبر نبيه صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم بقربه من السائلين من عباده بالإجابة فيما يسألونه فيه إلا وقد ساوانا في العلم بالله من هذا الوجه ولو كان هذا القرب الإلهي في الإجابة قربه في المسافة التي ذكر عنها أنه أقرب إلى الإنسان من حَبْلِ الْوَرِيدِ لاكتفى وذلك لأنه لا يلزم من هذا القرب السماع كما لا يلزم من السماع في السؤال الإجابة فحصل من الفائدة بهذا التعريف ثلاثة أمور القرب والسماع والإجابة فلم يترك لعبده حجة عليه بل لله الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فإذا أقيم العبد في هذا الذكر فأول ما ينتج له الزهد فيما سوى الله فلا يتوسل إليه بغيره فإن التوسل إنما هو طلب القرب منه فقد أخبرنا الله تعالى أنه قريب فلا فائدة لهذا الطلب وخبره صدق ثم أخبر أنه يجيب سؤال السائلين فهو إخبار بأن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وأخبر بالإجابة ليتحفظ السائل ويراقب ما يسأل فيه لأنه لا بد من الإجابة فقد يسأل العبد فيما لا خير له فيه لجهله بالمصالح فهو تنبيه من الله وتحذير أن لا يسأل إلا فيما يعلم أن له فيه الخير الوافر عند الله في الدنيا والآخرة فمن أخذ هذا الذكر على جهة التنبيه فلم يسأل الله تعالى في حاجة من حوائج الدنيا على التعيين ولكن يسأل فيما له فيه خير مما يعلمه الله مبهما لا يعين فإذا عين ولا بد فليسأل فيه الخيرة وسلامة الدين وأما تعيينه في السؤال فيما يرجع إلى أمر الدين فليعين ما شاء ولا مكر فيه ولا غائلة الإجابة لاكثر الناس فيما يسألون فيه ربهم
[الدعاء نداء وهو تأيه بالله]
فاعلم إن الله أخبر أنه يجيب دعوة الداع إذا دعاه وما دعاؤه إياه إلا عين قوله حين يناديه باسم من أسمائه فيقول يا الله أو يا رب أو رب أو يا ذا المجد والكرم وما أشبه ذلك فالدعاء نداء وهو تأيه بالله فإجابة هذا القدر الذي هو الدعوة وبها سمي داعيا أن يلبيه الحق فيقول لبيك فهذا لا بد منه من الله في حق كل سائل ثم ما يأتي بعد هذا النداء فهو خارج عن الدعاء وقد وقعت الإجابة كما قال فيوصل بعد النداء من الحوائج ما قام في خاطره مما شاءه فلم يضمن في هذا الذكر إجابته فيما سأل فيه ودعاه من أجله فهو إن شاء قضى حاجته وإن شاء لم يفعل ولهذا ما كل مسئول فيه يقضيه الله لعبده وذلك رحمة به فإنه قد يسأل فيما لا خير له فيه فلو ضمن الإجابة في ذلك لوقع ويكون فيه هلاكه في دينه وآخرته وربما في دنياه من حيث لا يشعر فمن كرمه أنه ما ضمن الإجابة فيما يسأل فيه وإنما ضمن الإجابة في الدعاء خاصة كما بيناه وهذا غاية الكرم من السيد في حق عبده حيث أبقى عليهم ثم إن هذا الذكر إذا أنتج له سماع الإجابة الإلهية فإنه لا بد لصاحب هذا الذكر أن يسمع الإجابة ولكن ذوقهم في السماع مختلف فقد يكون إسماع واحد غير إسماع الآخر ولكن لا بد من علامة يعطيها الله لهذا الذاكر يعلم بها أنه قد أجاب دعاءه ومعلوم أنه أجاب دعاءه وإنما أريد أنه يعلمه أن الذي سأل فيه قد قضى وإن تأخر وأعطى بدله على طريق العوض لما له في البدل من الخير وقد يكشف له عن خواص الأحوال والأزمنة والأمكنة التي توجب قضاء حاجة الداعي فيما سأل فيه وإن لم يكن له فيه
خير ويعود وباله عليه فيكون ممن جنى على نفسه فإذا كشف الله له مثل هذا يتحرز في الدعاء وفيما يدعو فيه وكذلك يكشف له بخاصية ما يدعو به من الأسماء والكلمات
[قصة بلعم مع موسى ع]
أ لا ترى ابن باعورا وكان قد آتاه الله العلم بخاصية آية من آياته فدعا بها على موسى عليه السلام وقومه فأجابه الله فيما دعا فيه وشقي هو في نفسه وسلب الله عنه علم ذلك وهو قوله تعالى واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها الآيات وجعل مثله كَمَثَلِ الْكَلْبِ فيكشف الله لصاحب هذا الذكر علم هذا عناية منه به فإن في ذلك مكرا إليها من حيث لا يشعر ولا سيما والنفس مجبولة على حب الشفوف على أبناء الجنس وإظهار قدرها عند الله ولهذا أكابر الأولياء أخفياء أبرياء لا ترى عليهم من أثر المكانة والتقريب ما تحتد من أجله أبصار الخلق إليهم بل لا فرق بينهم وبين العامة والذين ملكتهم الأحوال لهم خرق العوائد والظهور ولكن لا يفي ذلك بما فيه من المكر والاستدراج فإنه في غير موطنه ظهر ممن لا يجب عليه الظهور به وهو الولي وأصعب ما في الأمر أن يذوق في ذلك طعم نفسه فإن صاحبه لا يفلح أبدا ولو صرف الكون والعالم على حكمه فإذا سألتم الله فاسألوه التوفيق والعافية والعناية في تحصيل السعادة وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً فإن العلم يأبى إلا السعادة فإن الله ما أمر نبيه بطلب الزيادة منه إلا وقد علم إن عين حصول العلم المطلوب هو عين السعادة ما فيه مكر ولا استدراج أصلا وما هو إلا العلم بالله خاصة لا العلم بالحساب والهندسة والنجوم ولو علم ذلك لكان علم دلالة على علم بالله فلم يعطه الله ذلك للوقوف عنده فهذا ذكر عظيم الفائدة والله يَقُولُ الْحَقَّ وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ