[إن الله إذا أقبل على انسان جمعه الله جمعية لا تفرق فيه]
فاعلم أن الإنسان إذا جاء الله به إليه جمعه عليه جمعية لا تفرقة فيها حتى يهبه الله تعالى في ذلك ما يريد أن يهبه مما سبق في علمه فإذا خرج عن ذلك المشهد وعن تلك الحالة حرج بما حصل له وكان قد حصل له أمرا كليا مجملا غير مفصل فيبدو له عند الخروج مفصل الأعيان لكل جزء منه صورة تخصه فيخرج عن حال جمعيته إلى حال تفرقته فتبادر صور الأعمال إليه دفعة واحدة وتتعلق كل صورة منها بمن كان أصلا في وجودها فأما له وإما عليه فتتعلق بعينه صور نظره وبإذنه صور تعلق سمعه وكذلك سائر حواسه في ظاهره ويتعلق بباطنه صور أعمال باطنه من أعمال فكره وخياله وسائر قواه الباطنة فيه فإن كانت الصور العملية توجب فرحا فرح بذلك وبضده وإن كانت صور الأعمال توجب حزنا وغما كان الإنسان بحسب ما توجبه الصورة فإن كان من صورة ما يوجب هذا ويوجب هذا كان فرح الجزء الذي له صورة العمل المفرح فرحا من حيثيته لا من حيث النفس المكلفة فيتنعم ذلك الجزء الإنساني بقدر ذلك ويحزن الجزء الآخر بصورة عمله أيضا والنفس في هذه الحالة تفرح بحكم التبعية لفرح هذا وتحزن بحكم التبعية لحزن هذا في حال واحدة بإقبالين مختلفين كما كانت تسمع في حال النظر في حال البطش في حال السعي في حال اللمس في حال الشم في حال الطعم ولا يشغلها واحد عن الباقي مع أحدية المدرك كذلك ينعم من طريق ويحزن من طريق فهو الفرح المحزون وهو الرابح المغبون إلى أن يدخل الجنة وهذا من أعجب المشاهد وقليل واجده في هذه الدار من أهل الطريق لعدم كشفهم وتحققهم وقلة علمهم بذلك والله يَقُولُ الْحَقَّ وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
(الباب السادس والثمانون ومائتان في معرفة منزل من قيل له كن فأبى فلم يكن من الحضرة المحمدية)