[السفر إلى الله]
اعلم أيدك الله أن السفر حال المسافر والطريق هو ما يمشي فيه ويقطعه بالمعاملات والمقامات والأحوال والمعارف لأن في المعارف والأحوال الأسفار عن أخلاق المسافرين ومراتب العالم ومنازل الأسماء والحقائق ولهذا استحقت هذا اللقب وقد مشى الكلام في السالك والسلوك بما قد وقفت عليه والإنسان لما كان مجموع العالم ونسخة الحضرة الإلهية التي هي ذات وصفات وأفعال احتاج إلى مطرق يطرق له السلوك عليها والسفر فيها ليرى العجائب ويقتني العلوم والأسرار فإنه سفر تجارة فكان المطرق الشارع والطريق المطرقة الشريعة فمن سافر في هذه الطريق وصل إلى الحقيقة
فثم سفر بحق وسفر بخلق فالسفر بالحق على نوعين سفر ذات وسفر صفة والإنسان الكامل يسافر هذه الأسفار كلها فيسافر بربه عن كشف إلهي ومعية محققة يكون فيها مع الحق كما هو الحق معنا أينما كنا وقد عين سبحانه لنفسه أماكن كما يليق بجلاله ووصف نفسه بتردده فيها فإذا كان العبد معه سافر بسفره فيسفر له إنه هو كما أسفر له أنه ليس هو فالسفر الرباني من العماء إلى العرش فيظهر في العرش بالاسم الرحمن ثم ينزل معه بالاسم الرب كل ليلة إلى السماء الدنيا ثم ينزل بالاسم الإله إلى الأرض ثم يصحبه بالهوية مع كل واحد من الكون ثم يسافر معه بالصحبة في سفر الكون ثم يختلف معه بالخلافة في الأهل ثم يسافر صحبة القرآن في سفره من كونه صفة الله إلى السماء الدنيا ثم يصحبه في سفره ثلاثا وعشرين سنة ثم يصحب الأسماء الإلهية في سفرها في الكون ثم يصحبه الكون في سفره من العدم إلى الوجود ثم يصحب الأنبياء في سفرهم فيصحب آدم في سفره من الجنة إلى الأرض ثم يصحبه في سفره في سبعمائة عمرة وثلاثمائة حجة ثم يصحب إدريس في سفره إلى المكان العلي ثم يصحب نوحا في سفره في سفينة نجاته إلى الجودي ثم يصحب إبراهيم عليه السلام في جميع أسفاره وكذلك كل نبي وملك كأسفار جبريل إلى كل نبي ورسول وكسفر ميكائيل والملائكة بالعروج والنزول وسفر السياحين منهم وسفر الكواكب في سيرها وسفر الأفلاك في حركاتها وسفر العناصر في استحالاتها وسفر التجلي في صوره إلى أن يقف على حقائق هذا كله ذوقا من نفسه لا يرتاب ولا يشك ويجرد من ذاته في كل سفر ما يناسب صاحب ذلك السفر من حق وخلق فهذا هو سفر العارفين وطرق العلماء بالله الراسخين
(الباب الثاني والتسعون ومائة في معرفة الحال)
الحال مليهب الرحمن من منح *** عناية منه لا كسب ولا طلب