(وصل) في الفرد
وأما الفرد فهو من حكم هذا الباب ويسمى به لانفراده بما يتميز به عن خلقه فما هو فرد من حيث ما هو واحد فإنه واحد لنفسه وفرد لتميزه عن أحدية كل شيء ولا يصح الفرد لغيره سبحانه فإنه كل ما سوى الله فيه اشتراك بعضه مع بعض ويتميز بأحديته ولا ينفرد فإن صفة الاشتراك تمنع من ذلك فلا يصح اسم الفرد على الحقيقة إلا لله الحق خاصة فإنه الفرد من جميع الوجوه إذ لم تكن له صفة اشتراك كما لسواه من الموجودات ولذلك تطلب الحدود الموجودات والله لا يطلبه حد ولا يقابله مثل ولا ضد تعالى الله وأسماؤه كلها لها الفردية فإنها له نسب لا أعيان فيأخذ الحد ذلك الاسم إذا دل على الحادث ولا يأخذه الحد إذا سميت به الله تعالى فتحد اللفظ ولا تحد مدلوله إلا إذ كان مدلوله حادثا لا غير ولا يلزم من الاشتراك في اللفظ الاشتراك في المعنى لأن اللفظ لك لا له وأنت مشترك فيك فلهذا قيل اللفظ الاشتراك أ لا ترى الألفاظ المشتركة كالمشتري ليس الاشتراك إلا في إطلاق الاسم ولهذا يقع التفصيل إذا طولب بالحد صاحبه فيقال أي مشتر تريد المشتري الذي هو كوكب في السماء أو المشتري الذي هو عاقد البيع فإذا حده تميز كل عين عن صاحبتها فليس في اللفظ من ماهية المدلول شيء فبهذا تقول في الحق سميع وبصير وله يد ويدان أو أيد وأعين ورجل وجميع ما أطلقه على نفسه مما لا يتمكن للعقل أن يطلقه عليه لأنه لم يعلم ذلك الإطلاق إلا على المحدثات ولو لا الشرع والأخبار النبوية الإلهية ما جاءت بها ما أطلقناها عقلا عليه ومع هذا فننفي التشبيه ولا يتناول أمرا بعينه لجهلنا بذاته وإنما نفينا التشبيه بقوله ليس كمثله شيء لا بما أعطاه الدليل العقلي حتى لا يحكم عليه إلا كلامه تعالى وبهذا نحب نلقاه إذا لقيناه وكشف عن بصائرنا وأبصارنا غطاء العمي إن كان يمكن كشفه مطلقا أو يكشف منه ما يمكن كشفه إما على التساوي في حق الجميع وإما على التفاضل في حق العباد فينفرد كل شخص برؤية لا تكون لغيره ولا يصح الكشف
في علم التوحيد إلا عند من يقول بالمناسبة ولا عند من يقول بنفي المناسبة لأن التوحيد ليس بأمر وجودي وإنما هو نسبة والنسب لا تدرك كشفا وإنما تعلم من طريق الدليل فإن الكشف رؤية ولا تتعلق الرؤية من المرئي إلا بكيفيات يكون المرئي عليها وهل في ذلك الجناب الإلهي كيفية أم لا فالدليل ينفي الكيفية فإن كان يريد أنه لا كيفية له في ذاته فلا يكشف وإن كان يريد أنه لا تعقل كيفيته فيمكن أن يكشف من حيث ما له كيفية لا تعقل لكن يحصل العلم بها عند الكشف فإن كل كيفية حصلها العقل من نظره في الأشياء فإنها تستحيل عليه عنده مع ثبوت الايمان بأسمائها لا بمعقوليتها من نزول واستواء ومعية وتقليب وتردد وضحك وتعجب ورضي وغضب فإن جسد الله هذه المعاني في حضرة التمثيل كالعلم في صورة اللبن فذلك له وحينئذ تنال كشفا وإلا فلا تنال أبدا ولا يعلم من أين أخذتها النبوة هل تلقتها خبرا أو كشفا فإن كان خبرا فقد وقع التساوي وإن كان عن كشف فهو بحسب ما ذكرناه والله يَقُولُ الْحَقَّ وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
(الباب الثالث والسبعون ومائة في معرفة مقام الشرك وهو التثنية)
الشرك في الأسماء لا يجهل *** عليه أهل الكشف قد عولوا