وثم رحمة باطنة يكون فيها ألم في الوقت لا غير، ثم يظهر حكمها في المآل فالآلام عوارض واللذات ثوابت، فالعالم مرحوم بالذات متالم بما يعرض له، ﴿والله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 40] يضع الأمور مواضعها وينزلها منازلها.
الإنسان يضرب ابنه أدبا ويؤلمه بذٰلك الضرب عقوبة لذنبه وهو يرحمه بباطنه، فإذا وفي الأمر حقه أظهر له ما في قلبه وباطنه من الرحمة به وشفقة الوالد على ولده، ولهٰذا ورد في الخبر عن رسول الله ص في قصة طويلة يقول فيها: «وإن الله أشفق على عبده من هذه على ولدها»، وأشار إلى امرأة، وهٰذا كله من علوم الأذواق، جعلنا الله والسامعين من أهل الرحمة الخالصة التي لا ألم لها بمنه.
(الوجود والخير ونظر العدم)
واعلم أن الله ما أظهر الممكنات في أعيانها موجودة إلا ليخرجها من شر العدم، إذ علم أن الوجود هو الخير المحض الذي لا شر فيه إلا بحكم العرض، وهو من كونه ممكنا للعدم نظر إليه وهو الآن موصوف بالوجود، فهو في الخير المحض، فالذي يناله من حيث هو ممكن من نظر العدم إليه في حال وجوده، ذٰلك القدر يكون الشر الذي يجده العالم حيث وجده.
فإذا نظر الممكن إلى وجوده وأبده سر لاستصحابه الوجود له، وإذا نظر إلى الحالة التي كان