ولا بد من ظهور هذه الحقائق في هذه النشأة حتى يصح كمال الصورة؛ فالطائع يقابل العاصي والمشرك يقابل الموحد والمعطل يقابل المثبت والموافق يقابل المخالف من إمداد الأسماء الإلهية، وهو قوله: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هٰؤلاء وهٰؤلاء من عَطاءِ رَبِّكَ﴾ يعني الطائع والعاصي وأهل الخير والشر، ﴿وما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ [الإسراء: 20] أي ممنوعا؛ لأنه يعطي لذاته، والمحال القوابل تقبل باستعدادها واستعدادها أثر الأسماء الإلهية فيها.
ومن الأسماء الإلهية الموافق والمخالف مثل الموافق الرحيم والغفور وأشباهه، ومثل المخالف المعز والمذل، فلا بد أن يكون استعداد هٰذا المحل في حكم اسم من هذه الأسماء فيكون قبوله للحكم الإلهي بحسب ذٰلك فأما مخالف وإما موافق. ومن كان هٰذا حاله كيف يتعلق به ذم ذاتي؟ والأعراض لا ثبات لها، فالخير في الإنسان ذاتي وهو الذي يبقى لها حكمه، والشر عرضي فيزول ولو بعد حين.
(المغفرة ومآل الذنب)
قال تعالى: ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: 88] وهٰذا معنى قوله: ﴿يا عِبادِيَ﴾ [الزمر: 53] فأضافهم إلى نفسه، كما أضاف إلى نفسه نفوسهم في خلقها فقال: ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ من رُوحِي﴾ [الحجر: 29] و﴿كُلًّا نُمِدُّ هٰؤلاء وهٰؤلاء من عَطاءِ رَبِّكَ﴾