وهذا الخطاب كله لا يتمكن أن يكون منه إلا من كونه محبا، ومثل ذٰلك يصدر من المحبين له -تعالى-. فالمحب في حكم الحب لا في حكم المحبوب! ومن هي صفته عينه، فعينه تحكم عليه لا أمر زائد، فلا نقص. غير أن أثره في المخلوقين التلاشي عند استحكامه، لأنه يقبل التلاشي. فلهذا يتنوع العالم في الصور، فيكون في صورة، فإذا أفرط فيها الحب من حيث لا يعلم، وحصل التجلي من حيث لا يظهر، تلاشت الصورة وظهرت في العين صورة أخرى، وهي أيضا مثل الأولى في الحكم، راجعة إليه. ولا يزال الأمر كذلك دائما لا ينقطع. ومن هنا غلط من يقول: إن العالم لا بد له من التلاشي، ومن نهاية علم الله في العالم؛ حيث وصف نفسه بالإحاطة في علمه بهم.
ثم إنه من كرمه -سبحانه- أن جعل هذه الحقيقة سارية في كل عين ممكن متصف بالوجود، وقرن معها اللذة التي لا لذة فوقها، فأحب العالم بعضه بعضا، حب تقييد من حقيقة حب مطلق، فقيل: فلان أحب فلانا، وفلان أحب أمرا ما. وليس إلا ظهور حق في عين ما، أحب ظهور حق في عين أخرى، كان ما كان. فمحب الله لا ينكر على محب حب من أحب: فإنه لا يرى محبا إلا الله في مظهر ما. ومن ليس له هٰذا الحب