وقد يكون المحبوب ذا صورة طبيعية مطابقة لما تصور في الخيال، أو دون ذلك، أو فوق ذٰلك. وقد لا تكون للمحبوب صورة، ولا يجوز أن يقبل الصور، فصور هٰذا المحب من السماع ما لا يمكن أن يتصور، ولم يكن مقصود الطبيعة في تصوير ما لا يقبل الصورة إلا اجتماعها على أمر محصور ينضبط لها مخافة التبديد والتعلق بما ليس في اليد منه شيء.
فهذا هو الداعي لما ذكرناه من تصوير من ليس بصورة، أو من تصوير من لم تشهد له صورة، وإن كان ذا صورة. وفعل الحب في هذه الصورة أن يعظم شخصها حتى يضيق محل الخيال عنها فيما يخيل إليه؛ فتثمر تلك العظمة والكبر التي في تلك الصورة نحولا في بدن المحب، فلهذا تنحل أجساد المحبين، فإن مواد الغذاء تنصرف إليها (إلى صورة المحبوب) فتعظم، وتقل عن البدن فينحل. فإن حرقة الشوق تحرقه، فلا يبقى للبدن ما يتغذى به: وفي ذٰلك الاحتراق نمو صورة المحبوب في الخيال، فإن ذٰلك أكلها. ثم إن القوة المصورة تكسو تلك الصورة في الخيال حسنا فائقا، وجمالا رائقا، تتغير لذلك الحسن صورة المحب الظاهرة، فيصفر لونه، وتذبل شفته، وتغور عينه. ثم إن تلك القوة تكسو تلك الصورة قوة عظيمة تأخذها من قوة بدن المحب، فيصبح المحب ضعيف القوى ترعد فرائصه.