و قدم اللّٰه هذا لموسى-ع! -توطئة لما سبق في علمه- سبحانه! -أن السحرة تظهر لعينه مثل هذا. فيكون عنده علم من ذلك، حتى لا يذهل و لا يخاف إذا وقع منهم، عند إلقائهم حبا لهم و عصيهم.
"خيل إلى موسى أنها تسعى". -يقول له: "فلا تخف إذا رأيت ذلك منهم! "-يقوى جاشه.
( -ا) فلما وقع من السحرة ما وقع-مما ذكر اللّٰه لنا في كتابه- و امتلا الوادي من حبالهم و عصيهم، و رآها موسى، فيما خيل له، حيات تسعى، -أوجس في نفسه خيفة موسى. فلم يكن نسبة الخوف إليه، في هذا الوقت، نسبة الخوف الأول. فان الخوف الأول كان من الحية: "فولى و لم يعقب"، حتى أخبره اللّٰه تعالى. و كان هذا الخوف الاخر، الذي ظهر منه للسحرة على الحاضرين، لئلا تظهر عليه السحرة بالحجة، فيلتبس الأمر على الناس، و لهذا قال اللّٰه له: لاٰ تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ اَلْأَعْلىٰ! و لما ظهر للسحرة خوف موسى مما رآه، و ما علموا متعلق هذا الخوف، أي شيء هو؟ علموا أنه ليس عند موسى من علم السحر شيء. فان الساحر لا يخاف مما يفعله: لعلمه أنه لا حقيقة له من خارج، و أنه ليس كما يظهر لأعين الناظرين
فامر اللّٰه أن يلقى عصاه، و أخبر أنها"تلقف ما صنعوا".
فلما ألقى موسى عصاه، فكانت حية، علمت السحرة بأجمعها، مما علمت من خوف موسى، أنه لو كان ذلك منه، و كان ساحرا، ما خاف.
و لما رأوا عصاه حية حقيقية، علموا عند ذلك أنه أمر غيب من اللّٰه، الذي يدعوهم إلى الايمان به، و ما عنده من علم السحر خبر. فتلقفت تلك الحية جميع ما كان في الوادي، من الحبال و العصي. أي تلقفت صور الحيات منها. فبدت حبالا و عصيا كما هي، و أخذ اللّٰه بأبصارهم عن ذلك. فان اللّٰه يقول: تَلْقَفْ مٰا صَنَعُوا -و ما صنعوا الحبال و لا العصي، و إنما صنعوا، في أعين الناظرين، صور الحيات. و هي التي تلقفت عصا موسى.