فلذلك يطمع في الرحمة من عين المنة. و لهذا قلنا: إن العقوبة، في حق آدم، إنما كان في جمعه مع إبليس في الضمير، حيث خاطبهم الحق بالهبوط، بالكلام الذي يليق بجلاله. و لكن لا بد ان يكون، في الكلام، الصفة التي يقتضيها اللفظ. فان صورة اللفظ يطلب المعنى الخاص. و هذه طريقة لم تجعل العلماء وبالها من ذلك.
(خطيئة العارفين و خطيئه العامة)
و إنما ذكرنا مسألة آدم تأنيسا لأهل اللّٰه تعالى، إذا زلوا فحطوا عن مقامهم، أن ذلك الانحطاط لا يقضى بشقائهم و لا بد: بل يكون هبوطهم كهبوط آدم. فان اللّٰه لا يتحيز و لا يتقيد. و إذا كان الأمر على هذا الحد، و كان اللّٰه بهذه الصفة من عدم التقييد، فيكون عين هبوط. الولى، عند الزلة، و ما قام به من الذلة و الحياء و الانكسار فيها، -عين الترقي إلى أعلى مما كان فيه. لأن علوه (-الولى) بالمعرفة و الحال. و قد يزيد من العلم بالله ما لم يكن عنده و من الحال-و هو الذلة و الانكسار-ما لم يكن عليهما. و هذا هو عين الترقي إلى مقام أشرف. فإذا فقد الإنسان هذه الحالة في زلته، و لم يندم و لا ذل و لا انكسر، و لا"خاف"مقام"ربه"، -فليس (هو) من أهل هذه الطريقة.
بل ذلك جليس إبليس. بل إبليس أحسن حالا منه، لأنه يقول لمن يطيعه في الكفر: "إنى بريء منك، إنى أخاف اللّٰه رب العالمين! " و نحن إنما نتكلم على زلات أهل اللّٰه إذا وقعت منهم. قال تعالى: وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلىٰ مٰا فَعَلُوا و قال رسول اللّٰه-ص ! -: "الندم توبة". و إنما الإنسان الولى إذا كان، في المقام الذي كان، و الحال التي كان عليها، -ملتذا بها: فلذاته إنما كانت بحاله، فان اللّٰه يتعالى أن يلتذ به. فلما زل، وعرته حالة الذلة و الانكسار، زالت، ضرورة، الحالة التي كان يلتذ بوجودها، و هي حالة الطاعة و الموافقة. فلما فقدها تخيل أنه انحط من عين اللّٰه. و إنما تلك الحالة، لما زالت عنه، انحط عنها: إذ كانت حالة تقتضي الرفعة، و هو الان في معراج الذلة و الندم و الافتقار و الانكسار و الاعتراف و الأدب مع اللّٰه تعالى و الحياء منه. فهو يترقى في هذا المعراج. فيجد هذا العبد، في غاية هذا المعراج، حالة أشرف من الحالة التي كان عليها. فعند ذلك يعلم أنه ما انحط، و انه ترقى من حيث لا يشعر أنه في ترق.
( -ا) و أخفى اللّٰه ذلك عن أوليائه، لئلا يجترءوا عليه في المخالفات.
كما أخفى الاستدراج فيمن أشقاه فقال: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاٰ يَعْلَمُونَ .