( -ا) و اهبطت حواء للتناسل. و اهبط إبليس للاغواء. فكان هبوط آدم و حواء هبوط كرامة، و هبوط إبليس، هبوط خذلان و عقوبة و اكتساب أوزار. فان معصيته كانت لا تقتضي تأبيد الشقاء. فإنه لم يشرك، بل افتخر بما خلقه اللّٰه عليه. و كتبه اللّٰه شقيا. و دار الشقاء مخصوصة باهل الشرك.
فأنزله اللّٰه إلى الأرض ليسن الشرك بالوسوسة في قلوب العباد. فإذا أشركوا، و تبرأ إبليس من المشرك و من الشرك، لم ينفعه تبريه منه، فإنه هو الذي قال له: "اكفر! "كما أخبر اللّٰه تعالى. فحار عليه وزر كل مشرك في العالم، و إن كان هو موحدا. فإنه من سن سنة سيئة فعليه وزرها و وزر من عمل بها.
(الشرك و التوحيد)
فان الشخص الطبيعي، كإبليس و بنى آدم، لا بد أن يتصور في نفسه مثال ما يريد أن يبرزه. فما سن (إبليس) "الشرك"و وسوس به، حتى تصوره في نفسه على الصورة التي إذا حصلت في نفس المشرك، زالت عنه"صورة التوحيد". فإذا تصورها في نفسه، بهذه الصورة، فقد خرج التوحيد عن تصوره في نفسه، ضرورة. فان الشريك متصور له في نفسه، إلى جانب الحق الذي في نفسه متخيلا-أعنى من العلم بوجوده-: فما تركه في نفسه وحده. فكان ابليس مشركا في نفسه، بلا شك و لا ريب. و لا بد أن يحفظ في نفسه بقاء صورة الشريك، ليمد بها المشركين مع الأنفاس. فإنه خائف منهم أن تزول عنهم صفة الشرك. فيوحدوا اللّٰه، فيسعدوا. فلا يزال إبليس يحفظ صورة الشريك في نفسه. و يراقب بها قلوب المشركين، الكائنين في الوقت، شرقا و غربا و جنوبا و شمالا، و يرد بها الموحدين، في المستقبل، إلى الشرك، ممن ليس بمشرك.
فلا ينفك إبليس، دائما، عن الشرك. فبذلك أشقاه اللّٰه، لأنه لا يقدر أن يتصور التوحيد نفسا واحدا، لملازمته هذه الصفة، و حرصه على بقائها في نفس المشرك. فإنها لو ذهبت من نفسه، لم يجد المشرك من يحدثه في نفسه بالشرك، فيذهب الشرك عنه، و يكون إبليس لا يتصور الشريك لأنه قد زالت عن نفسه صورة الشريك، فيكون لا يعلم أن ذلك
المشرك قد زال عن إشراكه. فدل (هذا على) أن الشريك يستصحب إبليس دائما. فهو أول مشرك بالله، و أول من سن الشرك. و هو أشقى العالمين.