و لما علم رسول اللّٰه-ص! -أن في أمته من يجرع مثل هذا الكأس، و علم ما يطرأ عليهم في نفوسهم من الألم، -لذلك
رحمهم، فجعل لهم نصيبا ليكونوا، بذلك، "عبيد العبيد". فقال للصحابة:
"ليبلغ الشاهد الغائب". فأمرهم بالتبليغ، كما أمره اللّٰه بالتبليغ، لينطلق عليهم أسماء"الرسل"التي هي مخصوصة بالعبيد.
و قال-ص! -: "رحم اللّٰه امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها". يعنى حرفا، حرفا. و هذا لا يكون إلا لمن بلغ الوحى، من قرآن أو سنة، بلفظه الذي جاء به. و هذا لا يكون إلا لنقلة الوحى، من المقرءين و المحدثين. ليس للفقهاء، و لا لمن نقل الحديث على المعنى-كما يراه سفيان الثوري و غيره-نصيب و لا حظ فيه. فان الناقل على المعنى إنما نقل إلينا فهمه في ذلك الحديث النبوي. و من نقل إلينا فهمه، فإنما هو رسول نفسه، و لا يحشر، يوم القيامة، فيمن"بلغ الوحى كما سمعه"، و أدى الرسالة، كما يحشر المقرئ و المحدث، الناقل لفظ الرسول عينه، في صف الرسل- ع! -.
فالصحابة إذا نقلوا الوحى على لفظه، فهم"رسل رسول اللّٰه"- ص! -. و التابعون (هم) رسل الصحابة. و هكذا الأمر جيلا بعد جيل، إلى يوم القيامة. فان شئنا قلنا في المبلغ إلينا: إنه رسول اللّٰه و إن شئنا أضفناه لمن بلغ عنه. و إنما جوزنا حذف الوسائط، لأن رسول اللّٰه كان يخبره جبريل-ع! -و (هو) ملك من الملائكة. و لا نقول فيه رسول جبريل، و إنما نقول فيه: رسول اللّٰه، كما قال اللّٰه تعالى:
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اَللّٰهِ وَ اَلَّذِينَ مَعَهُ و قال عز و جل مٰا كٰانَ مُحَمَّدٌ أَبٰا أَحَدٍ مِنْ رِجٰالِكُمْ وَ لٰكِنْ رَسُولَ اَللّٰهِ مع قوله: نَزَلَ بِهِ اَلرُّوحُ اَلْأَمِينُ عَلىٰ قَلْبِكَ . و مع هذا، فما أضافه اللّٰه إلا إلى نفسه.