و من أسرارهم، أيضا، أنهم يتكلمون في فصول البلاغة في النطق و يعلمون"إعجاز القرآن". و لم يعلم منهم، و لا حصل لهم من العلم بلسان العرب و التحقق به، على الطريقة المعهودة من قراءة كتب الآداب، ما يعلمون أنه حصل لهم ذلك من هذه الجهة. بل كان ذلك لهم من الهبات الإلهية، بطريق خاص، يعرفونه من نفوسهم، إذا أعطوا العبارة عن الذي يرد عليهم، في بواطنهم، من الحقائق.
( -ا) و هم أميون و إن أحسنوا الكتابة من طريق النقش. و لكن هم عوام الناس. فينطقون بما هو خارج، في المعتاد، عن قوتهم. إذ لم يكونوا من العرب. و إن كانوا من العرب، فلم يكونوا إلا بالنسب لا باللسان، فيعرف الاعجاز فيه منه. فمن هنالك يعرف"إعجاز القرآن": و ذلك قول الحق.
( ب) قيل لي في بعض الوقائع: "أ تعرف ما هو إعجاز القرآن؟ قلت: "لا". -قال: "كونه إخبارا عن حق. التزم الحق، يكن كلامك معجزا". فان المعارض للقرآن، أول ما يكذب فيه أنه يجعله من اللّٰه، و ليس (هو) من اللّٰه. فيقول على اللّٰه ما لا يعلم. فلا يثمر و لا يثبت.
فان الباطل زهوق، لا ثبات له. ثم يخبر في كلامه عن امور مناسبة للسورة، التي يريد معارضتها، بامور تناسبها في الألفاظ، مما لم تقع و لا كانت. فهي باطل. و الباطل، عدم. و العدم لا يقاوم الوجود. و القرآن، إخبار عن أمر وجودى، حق في نفس الأمر. فلا بد أن يعجز المعارض عن الإتيان بمثله.
فمن التزم الحق في أفعاله و أقواله و أحواله، فقد امتاز عن أهل زمانه، و عن كل من لم يسلك مسلكه. فأعجز من أراد التصور على مقامه من غير حق.
(أبو عبد اللّٰه الغزال و شيخه ابن العريف)