كان للشيخ أبى مدين ولد صغير من سوداء. و كان أبو مدين صاحب نظر. فكان هذا الصبى-و هو ابن سبع سنين-ينظر و يقول:
"أرى في البحر، في موضع صفته كذا و كذا، سفنا، و قد جرى فيها كذا و كذا". فإذا كان بعد أيام-و تجيء تلك السفن إلى بجاية، مدينة هذا الصبى التي كان فيها-يوجد الأمر على ما قاله الصبى. فيقال للصبي: "بما ذا ترى؟ "-فيقول: "بعينى! "ثم يقول: "لا! إنما أراه بقلبي! "
ثم يقول: "لا! إنما أراه بوالدي! إذا كان أبى حاضرا و نظرت إليه، رأيت هذا الذي أخبركم به، و إذا غاب عنى لا أرى شيئا من ذلك".
( -ا) ورد في الخبر الصحيح عن اللّٰه تعالى، في العبد الذي يتقرب إلى اللّٰه بالنوافل حتى يحبه. يقول: "فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، و بصره الذي يبصر به"-الحديث. فبه (-سبحانه!) يسمع (العبد) و يبصر و يتكلم و يبطش و يسعى. فهذا معنى قولنا: "يرجع المحقق. بمثل صورة معنى ما تحقق به". فكان (طفل الشيخ أبى مدين) ينظر بأبيه، كما ينظر الإنسان بعينه في المرآة. فافهم! و هكذا كل صاحب طريق من طرق هذه القوى. و قد يجمع الكل واحد: فيرى بكل قوة، و يسمع بكل قوة، و يشم بكل قوة. و هو أتم الجماعة.
(المحقق في منزل الأنفاس: أحواله و صفاته بعد موته)
و أما أحوالهم، بعد موتهم، فعلى قدر ما كانوا عليه في الدنيا من التفرغ لأمر ما معين، أو أمور مختلفة، على قدر ما تحققوا به في التفرغ له. و هم، في الآخرة، على قدر أحوالهم في الدنيا. فمن كان في الدنيا عبدا محضا، كان في الآخرة ملكا محضا. و من كان في الدنيا يتصف بالملك- و لو في جوارحه أنها ملك له-نقص، من ملكه في الآخرة، بقدر ما استوفاه