ثم إنه، للمتهجد، أمر آخر، لا يعلمه كل أحد. و ذلك أنه لا يجيء ثمرة مناجاة، التهجد، و يحصل علومه، إلا من كانت صلاة الليل له نافلة. و أما من كانت فريضته من الصلاة ناقصة، فإنها تكمل من فرائض نوافله. فان استغرقت الفرائض نوافل العبد المتهجد، لم تبق له نافلة، و ليس بمتهجد، و لا صاحب نافلة. فلهذا لا يحصل له حال النوافل، و لا علومها، و لا تجلياتها. فاعلم ذلك!
(المتهجد: في نومه و قيامه)
فنوم المتهجد، لحق عينه، و قيامه، لحق ربه. فيكون ما يعطيه الحق من العلم و التجلي، في نومه، ثمرة قيامه، و ما يعطيه من النشاط و القوة و تجليهما و علومهما، في قيامه، ثمرة نومه. و هكذا جميع أعمال العبد، مما افترض عليه. فتداخل علوم المتهجدين، كتداخل ضفيرة الشعر. و هي من العلوم المعشوقة للنفوس، حيث تلتف هذا الالتفاف، فتظهر، لهذا الالتفاف، أسرار العالم الأعلى و الأسفل، و الأسماء الدالة على الأفعال
و التنزيه. و هو قوله-تعالى! -: وَ اِلْتَفَّتِ اَلسّٰاقُ بِالسّٰاقِ أي اجتمع أمر الدنيا بامر الآخرة. و ما ثم إلا دنيا و آخرة. و هو"المقام المحمود" الذي ينتجه التهجد. قال تعالى: وَ مِنَ اَللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نٰافِلَةً لَكَ عَسىٰ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقٰاماً مَحْمُوداً و"عسى"، من اللّٰه، واجبة. و"المقام المحمود"هو الذي له عواقب الثناء، أي إليه يرجع كل ثناء.
(المتهجد: ما قدر علمه؟)
و أما قدر علم التهجد، فهو عزيز المقدار. و ذلك أنه لما كان له اسم إلهى، يستند إليه، كسائر الآثار، عرف، من حيث الجملة، أن ثم أمرا غاب عنه أصحاب الآثار، و (غابت عنه) الآثار. فطلب ما هو؟ فأداه النظر إلى أن يستكشف عن الأسماء الإلهية: هل لها أعيان، أو هل هي نسب؟