فصل (معرفة الحق من المنازل السفلية)
و أما معرفة الحق من هذا المنزل، فاعلم أن الكون لا تعلق له بعلم الذات أصلا، و إنما متعلقه العلم بالمرتبة، و هو مسمى اللّٰه. فهو (اى العلم بالمرتبة) الدليل المحفوظ الأركان، الساد على معرفة الإله، و ما يجب أن يكون عليه-سبحانه! -من أسماء الأفعال و نعوت الجلال، و باية حقيقة يصدر من هذه الذات المنعوتة بهذه المرتبة، المجهولة العين و الكيف؟ و عندنا لا خلاف في أنها (أي الذات) لا تعلم، بل يطلق عليها نعوت تنزيه صفات الحدث، و أن القدم لها، و الأزل الذي يطلق لوجودها إنما هي أسماء تدل على سلوب، من نفى الأولية و ما يليق بالحدوث. و هذا يخالفنا فيه جماعة من المتكلمين الأشاعرة، و يتخيلون أنهم قد علموا من الحق صفة نفسية ثبوتية.
و هيهات! أنى لهم بذلك؟ و أخذت طائفة ممن شاهدناهم من المتكلمين، كأبي عبد اللّٰه الكتاني و أبى العباس الأشقر و الضرير السلاوى، صاحب"الأرجوزة في علم الكلام"، -(أقول: أخذت هذه الطائفة) على أبى سعيد الخراز و أبى حامد و أمثالهما في قولهم: لا يعرف اللّٰه إلا اللّٰه! و إنما اختلف أصحابنا في رؤية اللّٰه-تعالى! -إذا رأيناه في الدار
الآخرة بالأبصار: ما الذي نرى؟ و كلامهم فيه معلوم عند أصحابنا. و قد أوردنا تحقيق ذلك في هذا الكتاب، مفرقا في أبواب منازله و غيرها، بطريق الإيماء لا بالتصريح. فإنه مجال ضيق، تضيق العقول فيه لمناقضته أدلتها.
فهو المرئي-سبحانه! -على الوجه الذي قاله و قاله رسول اللّٰه-ص ! -و على ما أراده من ذلك. فان الناظرين فيما قاله و أوحى به إلينا، اختلقوا في تأويله. و ليس بعض الوجوه منها باولى من بعض. فتركنا الخوض في ذلك، إذ الخلاف فيه لا يرتفع من العالم بكلامنا، و لا بما نورده فيه.