و النقطة، مع صغرها، تنظر إلى كل جزء من المحيط بها بذاتها. فالمختصر (هو) المحيط، و المختصر منه (هي) النقطة. و بالعكس. فانظر! و لما انحط الأمر إلى العناصر حتى انتهى إلى الأرض، -كثر عكره: مثل الماء في الحب، و الزيت و كل مائع في الدن، يتنزل إلى أسفله عكره، و يصفو أعلاه. و المعنى في ذلك ما يجده عالم الطبيعة من الحجب المانعة عن إدراك الأنوار، من العلوم و التجليات: بكدورات الشهوات و الشبهات الشرعية و عدم الورع في اللسان و النظر و السماع و المطعم و المشرب و الملبس و المركب و المنكح، و كدورات الشهوات، بالانكباب عليها و الاستفراغ فيها، و إن كانت حلالا.
و إنما لم يمنع نيل الشهوات في الآخرة-و هي (أي شهوات الآخرة) أعظم من شهوات الدنيا-من التجلي: لأن التجلي هناك على الأبصار، و ليست الأبصار بمحل للشهوات، و التجلي هنا، في الدنيا، إنما هو على البصائر و البواطن دون الظواهر، و البواطن محل الشهوات. و لا يجتمع التجلي و الشهوة في محل واحد. فلهذا جنح العارفون و الزهاد، في هذه الدنيا، إلى التقليل من نيل شهواتها و الشغل بكسب حطامها.
(مراتب الابدال)
و هذا الامام هو الذي أعلم أصحابه أن ثم رجالا سبعة يقال لهم الأبدال، يحفظ اللّٰه بهم الأقاليم السبعة، لكل بدل إقليم، و إليهم تنظر روحانيات السماوات السبع. و لكل شخص منهم قوة (منبعثة) من روحانيات الأنبياء الكائنين في هذه السماوات، و هم: إبراهيم الخليل، يليه موسى، يليه هارون، يتلوه إدريس، يتلوه يوسف، يتلوه عيسى، يتلوه آدم-سلام اللّٰه عليهم أجمعين! -. و أما يحيى فله تردد بين عيسى و بين هارون. -فينزل على قلوب هؤلاء الأبدال السبعة من حقائق هؤلاء الأنبياء-ع! -. و تنظر إليهم هذه الكواكب السبعة بما أودع اللّٰه-تعالى! -في سباحتها في أفلاكها، و بما أودع اللّٰه في حركات هذه السماوات السبع من الأسرار و العلوم و الآثار العلوية و السفلية. قال-تعالى! -: وَ أَوْحىٰ فِي كُلِّ سَمٰاءٍ أَمْرَهٰا . فلهم (أي لهؤلاء الأبدال) في قلوبهم، في كل ساعة و في كل يوم، بحسب ما يعطيه صاحب تلك الساعة، و سلطان ذلك اليوم.
(الإقليم الرابع و بدله)