و طلب بعد ذلك من أبى الاجتماع بنا ليعرض ما عنده علنيا: هل هو يوافق أو يخالف؟ فإنه كان من أرباب الفكر و النظر العقلي. فشكر اللّٰه- تعالى! -الذي كان في زمان رأى فيه من دخل خلوته جاهلا، و خرج مثل هذ
الخروج، من غير درس و لا بحث و لا مطالعة و لا قراءة.
و قال: هذه حالة أثبتناها، و ما رأينا لها أربابا فالحمد لله الذي أنا في زمان فيه واحد من أربابها، الفاتحين مغالق أبوابها! و الحمد لله الذي خصنى برؤيته! ثم أردت الاجتماع به مرة ثانية. فأقيم لي-رحمة اللّٰه! -في الواقعة في صورة، ضرب بينى و بينه فيها حجاب رقيق، أنظر إليه منه و لا يبصرني و لا يعرف مكانى، و قد شغل بنفسه عنى. فقلت: إنه غير مراد لما نحن عليه.
فما اجتمعت به حتى درج، و ذلك سنة خمس و تسعين و خمس مائة، بمدينة مراكش، و نقل إلى قرطبة، و بها قبره. و لما جعل التابوت الذي فيه جسده على الدابة، جعلت تواليفه تعادله من الجانب الآخر. و أنا واقف، و معى الفقيه الأديب أبو الحسن محمد بن جبير، كاتب السيد أبى سعيد، و صاحبى أبو الحكم عمرو بن السراج، الناسخ. فالتفت أبو الحكم إلينا و قال: ألا تنظرون إلى من يعادل الامام ابن رشد في مركوبه؟ هذا الامام، و هذه أعماله-يعنى تواليفه! . -فقال له ابن جبير: يا ولدى، نعم ما نظرت! لا فض فوك! فقيدتها عندي موعظة و تذكرة. رحم اللّٰه جميعهم! و ما بقي من تلك الجماعة (الآن) غيرى. و قلنا في ذلك:
هذا الامام و هذه أعماله يا ليت شعرى هل أتت آماله؟