و كان يتلطف بأصحابه في التنبيه عليه، و يستر عن عامة أصحابه ذلك، خوفا عليه منهم. و لذلك سمى مداوى الكلوم. كما استكتم يعقوب يوسف- ع! -حذرا عليه من إخوته. و كان يشغل عامة أصحابه بعلم التدبير و مثل ذلك، مما يشاكل هذا الفن من تركيب الأرواح في الأجساد، و تحليل الأجساد، و تأليفها بخلع صورة عنها، أو خلع صورة عليها، -ليقفوا من ذلك على صنعة اللّٰه العليم الحكيم. و عن هذا القطب خرج علم العالم، و كونه"إنسانا كبيرا"، و أن"الإنسان"مختصره في الجرمية، و مضاهيه في المعنى.
فأخبرني الروح، الذي أخذت منه ما أودعته في هذا الكتاب،
أنه جمع أصحابه يوما في دسكرة و قام فيهم خطيبا، و كانت عليه مهابة. فقال: "افهموا عنى ما أرمزه لكم في مقامى هذا، و فكروا فيه، و استخرجوا كنزه، و اتساع زمانه في أي عالم هو؟ و إنى لكم ناصح. و ما كل ما يدرى يذاع. فإنه لكل علم أهل يختص بهم. و ما يمكن الانفراد. و لا يسع الوقت. فلا بد أن يكون في الجمع فطر مختلفة، و أذهان غير مؤتلفة. و المقصود من الجماعة واحد. إياه أقصد بكلامي، و بيده مفتاح رمزى. و لكل مقام مقال. و لكل علم رجال. و لكل وارد حال. فافهموا عنى ما أقول. و عوا ما تسمعون فبنور النور أقسمت) و بروح الحياة، و حياة الروح آليت! إنى عنكم لمنقلب من حيث جئت. و راجع إلى الأصل الذي عنه وجدت. فقد طال مكثي في هذه الظلمة. و ضاق نفسى بترادف هذه الغمة. و إنى سالت الرحلة عنكم. و قد أذن لي في الرحيل. فأثبتوا على كلامي، فتعقلون ما أقول لكم بعد انقضاء سنين- عينها و ذكر عددها-فلا تبرحوا حتى آتيكم بعد هذه المدة. و إن برحتم، فلتسرعوا إلى هذا المجلس الكرة (تلو الكرة) . و إن لطف مغناه، و غلب على الحروف معناه، فالحقيقة، الحقيقة! و الطريقة، الطريقة! فقد اشتركت الجنة و الدنيا في اللبن و البناء، و إن كانت الواحدة من طين و تبن، و الأخرى من عسجد و لجين". -هذا ما كان من وصيته لبنيه. و هذه مسألة عظيمة، رمزها و راح. فمن عرفها استراح!
(لقاء ابن عربى بابن رشد في قرطبة)
و لقد دخلت يوما بقرطبة على قاضيها أبى الوليد بن رشد، و كان يرغب في لقائي لما سمع و بلغه ما فتح اللّٰه به على في خلوتى، فكان يظهر التعجب مما سمع. فبعثني والدى إليه في حاجة، قصدا منه، حتى يجتمع بى، فإنه كان من أصدقائه. و أنا صبى ما بقل وجهى و لا طر شاربي. فعند ما دخلت عليه، قام من مكانه إلى محبة و إعظاما، فعانقني و قال لي: نعم! قلت له: نعم! فزاد فرحه بى لفهمى عنه. ثم استشعرت بما أفرحه من ذلك، فقلت له: لا! فانقبض، و تغير لونه، و شك فيما عنده. و قال لي: كيف وجدتم الأمر في الكشف و الفيض الإلهي: هل هو ما أعطاه لنا النظر؟ -قلت له: نعم، لا! و بين نعم و لا تطير الأرواح من موادها، و الأعناق من أجسادها. فاصفر لونه، و أخذه الأفكل، و قعد يحوقل، و عرف ما أشرت إليه. و هو عين هذه المسالة التي ذكرها هذا القطب الامام، أعنى"مداوى الكلوم".