و انتهت الدورة الزمانية إلى الميزان لتكرار الدور. فظهر محمد- ص! -. و كان له في كل جزء من أجزاء الزمان حكم، اجتمع فيه بظهوره-ص! -. و هذه الأسماء (أسماء البروج الاثنى عشر المتقدمة) أسماء ملائكة خلقهم اللّٰه، و هم الاثنا عشر ملكا. و جعل لهم مراتب في الفلك المحيط. و جعل بيد كل ملك ما شاء أن يجعله مما يبرزه، فيمن هو دونهم إلى الأرض، حكمة. فكانت روحانية محمد-ص ! -تكتسب، عند كل حركة من الزمان، أخلاقا بحسب ما أودع اللّٰه في تلك الحركات من الأمور الإلهية. فما زالت تكتسب هذه الصفات الروحانية قبل وجود تركيبها، إلى أن ظهرت صورة جسمه في عالم الدنيا بما جعله اللّٰه عليه من الأخلاق المحمودة، فقيل فيه: وَ إِنَّكَ لَعَلىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ -فكان (-ع! -) ذا خلق، و لم يكن ذا تخلق! و لما كانت الأخلاق تختلف أحكامها باختلاف المحال التي ينبغي أن تقابل بها، -احتاج صاحب الخلق إلى علم يكون عليه، حتى يصرف في ذلك
المحل الخلق الذي يليق به عن أمر اللّٰه، فيكون قربة إلى اللّٰه. فلذلك تنزلت الشرائع لتبين للناس محال أحكام الأخلاق التي جبل الإنسان عليها. فقال اللّٰه في مثل ذلك: فَلاٰ تَقُلْ لَهُمٰا: أُفٍّ! لوجود التأفيف في خلقه. فأبان عن المحل الذي لا ينبغي أن يظهر فيه حكم هذا الخلق. ثم بين المحل الذي ينبغي أن يظهر فيه هذا الخلق، فقال: أُفٍّ! لَكُمْ وَ لِمٰا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ .
و قال-تعالى! -: فَلاٰ تَخٰافُوهُمْ فأبان عن المحل الذي ينبغي أن لا يظهر فيه خلق الخوف، ثم قال لهم: وَ خٰافُونِ فأبان لهم حيث ينبغي أن يظهر حكم هذه الصفة. و كذلك (شأن) الحسد و الحرص. -و جميع ما في هذه النشاة الطبيعية، الظاهر حكم روحانيتها فيها، قد أبان اللّٰه لنا حيث نظهرها و حيث نمنعها، فإنه من المحال إزالتها عن هذه النشاة إلا بزوالها لأنها عينها: و الشيء لا يفارق نفسه. قال-ص! -:
"لا حسد إلا في اثنتين"و قال: "زادك اللّٰه حرصا، و لا تعد"! و إنما قلنا"الظاهر حكم روحانيتها فيها": تحرزنا بذلك من أجل أهل الكشف، و العلماء الراسخين في العلم من المحققين العالمين. فان المسمى بالجماد و النبات عندنا، لهم أرواح بطنت عن إدراك غير أهل الكشف إياها في العادة، لا يحس بها مثل ما يحسها من الحيوان. فالكل، عند أهل الكشف،
حيوان ناطق، بل حى ناطق. غير أن هذا المزاج الخاص يسمى إنسانا لا غير بالصورة، و وقع التفاضل بين الخلائق في المزاج. فإنه لا بد، في كل ممتزج، من مزاج خاص لا يكون إلا له، به يتميز عن غيره في أمر (ما) ، فلا يكون عين ما يقع به الافتراق و التميز عين ما يقع به الاشتراك و عدم التميز. فاعلم ذلك و تحققه!