يتعلم العارفون منه حال المراقبة. " قال: "و رأيت ملكا يدعى بالرادع. مهيب المنظر، لطيف المخبر، شديد الغيرة. دائم الفكرة فيما كلف النظر فيه. إذا رأى أحدا يخرج عن طريق الحق، رده إلى الحق". -قال: "صحبته، و انتفعت به. و جالست من ملوكهم كثيرا، و رأيت منهم من العجائب، مما يرجع
إلى ما عندهم من تعظيم اللّٰه، مما لو سطرناه لأعيا الكاتب و السامع. فاقتصرنا على هذا القدر من عجائب هذه الأرض. و مدائنها لا تحصى كثرة. و مدائنها أكثر من ضياعها. و جميع من يملكها من الملوك ثمانية عشر سلطانا. منهم من ذكرناه، و منهم من سكتنا عنه. و لكل، سلطان سيرة و أحكام ليست لغيره. "
(ترتيب مملكة أرض الحقيقة)
قال: "و حضرت يوما في ديوانهم لأرى ترتيبهم. فمما رأيت أن الملك منهم هو الذي يقوم برزق رعيته، بلغوا ما بلغوا. فرأيتهم إذا استوى الطعام، وقف خلق لا يحصى عددهم كثرة، يسمونهم الجباة، و هم رسل كل بيت. فيعطيه الأمين من المطبخ على قدر عائلته، و يأخذه الجابي و ينصرف.
"و أما الذي يقسمه (أي يقسم رزق الرعية) عليهم، (فهو) شخص واحد لا غير، له من الأيدى على قدر الجباة. فيغرف في الزمن الواحد لكل شخص طعامه في وعائه و ينصرف، و ما فضل من ذلك (الطعام) يرفع إلى خزانة. فإذا فرغ منهم ذلك القاسم، دخل الخزانة و أخذ ما فضل (من الطعام) و خرج به إلى الصعاليك الذين على باب دار الملك، فيلقيه إليهم، فياكلوه. و هكذا في كل يوم.