و ذلك لأن العقل خلق ساذجا، ليس عنده من العلوم النظرية شيء و قيل للفكر: ميز بين الحق و الباطل الذي (هو)
في هذه القوة الخيالية. فينظر (الفكر) بحسب ما يقع له، فقد يحصل في شبهة، و قد يحصل في دليل عن غير علم منه بذلك. و لكن في زعمه أنه عالم بصور الشبه من الأدلة، و أنه قد حصل على علم، و لم ينظر إلى قصور المواد التي استند إليها في اقتناء العلوم. فيقبلها العقل منه، و يحكم بها: فيكون جهله أكثر من علمه بما لا يتقارب! ثم إن اللّٰه كلف هذا العقل معرفته-سبحانه! -ليرجع إليه فيها، لا إلى غيره. ففهم العقل نقيض ما أراد به الحق بقوله-تعالى! -:
وَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا ؟ - لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ . فاستند إلى الفكر، و جعله إماما يقتدى به، و غفل عن الحق في مراده بالتفكر: إنه خاطبه أن يتفكر، فيرى أن علمه بالله لا سبيل إليه إلا بتعريف اللّٰه! فيكشف له عن الأمر على ما هو عليه. فلم يفهم كل عقل هذا الفهم، إلا عقول خاصة اللّٰه، من أنبيائه و أوليائه.
يا ليت شعرى! هل بافكارهم"قالوا: بلى! "حين أشهدهم (الحق) على أنفسهم في"قبضة الذرية"من ظهر آدم؟ لا، و اللّٰه! بل عناية (من اللّٰه) إشهاده إياهم ذلك، عند أخذه إياهم عنهم من ظهورهم. و (لكن) لما رجعوا إلى الأخذ عن قواهم المفكرة في معرفة اللّٰه، لم يجتمعوا قط على حكم واحد في معرفة اللّٰه، و ذهبت كل طائفة إلى مذهب. و كثرت
القالة في الجناب الإلهي الأحمى. و اجترءوا (أي أصحاب الفكر، الآخذون عن أفكارهم لا عن اللّٰه) غاية الجرأة على اللّٰه. -و هذا كله من الابتلاء الذي ذكرناه، من خلقه (-تعالى! -) الفكر في الإنسان.