و أقام-سبحانه! -هذه الصورة الانسانية بالحركة المستقيمة، (ك) صورة العمد الذي للخيمة، فجعله (عمدا) لقبة هذه السماوات، فهو -سبحانه! -يمسكها أن تزول بسببه. فعبرنا عنه (أي عن الإنسان) بالعمد. فإذا فنيت هذه الصورة (الانسانية) ، و لم يبق منها على وجه الأرض متنفس، -"انشقت السماء فهي يومئذ واهية". لأن العمد زال، و هو الإنسان.
و لما انتقلت العمارة إلى الدار الآخرة بانتقال الإنسان إليها، و خرجت الدنيا بانتقاله عنها، -علمنا قطعا أن الإنسان هو العين المقصود لله من العالم، و أنه الخليفة حقا، و أنه محل ظهور الأسماء الإلهية. و هو الجامع لحقائق العالم كله: من ملك و فلك و روح و جسم و طبيعة و جماد و حيوان.
(هذا، بالاضافة) إلى ما خص به من علم الأسماء الإلهية، مع صغر حجمه و جرمه. و إنما قال اللّٰه فيه: بان"خلق السماوات و الأرض أكبر من خلق الناس" لكون الإنسان متولدا عن السماء و الأرض، فهما له كالأبوين، فرفع اللّٰه مقدارها (لأجله) وَ لٰكِنَّ أَكْثَرَ اَلنّٰاسِ لاٰ يَعْلَمُونَ . فلم يرد (الحق الكبر) في الجرمية، فان ذلك معلوم حسا.
(ابتلاء الإنسان الأكبر)
غير أن اللّٰه-تعالى! -ابتلاه (أي الإنسان) ببلاء ما ابتلى به أحدا من خلقه، إما لأن يسعده أو (لأن) يشقيه، على حسب ما يوفقه إلى استعماله. فكان البلاء الذي ابتلاه (اللّٰه) به أن خلق فيه قوة تسمى الفكر، و جعل هذه القوة خادمة لقوة أخرى تسمى العقل. و جبر (اللّٰه) العقل، مع سيادته على الفكر، أن يأخذ منه ما يعطيه. و لم يجعل (اللّٰه) للفكر مجالا إلا في القوة الخيالية. و جعل-سبحانه! -القوة الخيالية محلا جامعا لما تعطيها القوة الحساسة. و جعل له قوة يقال لها: المصورة، فلا يحصل في القوة الخيالية (شيء) إلا ما أعطاه الحس، أو أعطته القوة المصورة. و مادة المصورة من المحسوسات، فتركب صورا لم يوجد لها عين، لكن أجزاؤها كلها موجودة حسا.